هذه الرسالة تفيد بأنك غير مشترك او انك لم تقم بتسجيل الدخول. للاشتراك الرجاء اضغط هنــا وإذا لم ترغب في الاشتراك فأهلا بك زائراً لعيون العرب
 
 

 منتديات::الإنتساب:: المكتب:: البحث  :: الأركيد :: مواقع :: العاب :: ترجمة مواقع:: إعجاز القرآن :: الموسوعة الإسلامية :: أكواد جافا :: الإعلانات :: القوانين :: خروج

  
 ينتهي في 13-01-09 رسائل اس ام اس sms

روابط مهمة: أزمة غزة | خلفيات | العاب للبنات فقط | mobile9 | صور حب | العاب | windows live messenger 9 | قسم جديد رسائل الجوال من عيون العرب

قروب عيون العرب البريد الإلكتروني:
منتديات ستارت اوفر
جروح نابضة
نغمات الشادي
دلع نجد

شباب غير مركز تحميل الصور منتديات الثلوج 7-4-2008 منتديات همس جيزان ستار ويب

توبكات| موقع باربي| العاب تلبيس باربي| العاب باربي| العاب طبخ | كوش | صور | العاب تلبيس | موقع اليوتيوب - YouTube | تلبيس باربي | دردشة | شات | صور تلوين | العاب ماريو | العاب فلاش |  www.youtube.comm | العرب المسافرون| زهير مراد | فساتين


العودة   عيون العرب - ملتقى العالم العربي > ~¤¢§{(¯´°•. عيون الأقسام الأدبية .•°`¯)}§¢¤~ > قصص , روايات و مقالات أدبية
التسجيل التعليمـــات مركز تحميل الصور التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

قصص , روايات و مقالات أدبية قصص, روايات عالمية, روايات محلية, روايات عربية, والمحاولات الشخصية.

مكياج - أزياء - عناية بالبشرة - عناية بالشعر - إكسسوارات


عطور مميزه

بوابة العرب للاستضافة


المهلة الأخيرة (روايه مترجمه)

قصص , روايات و مقالات أدبية


موضوع مغلق
المنتدى ارسال موضوع جديد ردود اليوم مشاهدة المشاركات المشاركة التالية
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 05-10-2006, 11:30 AM   #1
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية ahmed decor
المهلة الأخيرة (روايه مترجمه)

رواية : فالنتين راسبوتين



كانت العجوز آنَّا ترقد على سرير حديدى ضيق قرب الموقد الروسى . راحت تنتظر الموت الذى آن على ما يبدو أوانه : كانت تقارب الثمانين من عمرها . كم تحاملت على نفسها طويلا وتماسكت ساعية على قدميها ، ولكنها استسلمت ورقدت بعد أن خارت قواها تماما منذ ثلاث سنوات مضت . فى الصيف شعرت وكأن صحتها قد تحسنت قليلا ، فأخذت تزحف إلى فناء البيت لتستدفئ تحت أشعة الشمس ، بل وكانت أحيانا تعبر الشارع على مراحل متقطعة تستريح خلالها فى الطريق إلى بيت العجوز ميرونيخا ؛ مع اقتراب الخريف وقبل نزول الثلج فارقتها آخر بوادر قوَّتها حتى إنها لم تكن تقدر على تنظيف القصرية التى آلت إليها من حفيدتها نينكا . وبعد أن سقطت مرتين أو ثلاث متتالية على سلم المدخل فرضوا عليها عدم النهوض بتاتا ، فلم يتبق لها فى حياتها كلها ما تفعله سوى القعود فى الفراش أو الجلوس على حافته مدلية قدميها نحو الأرض ، ثم تعود ثانية للاستلقاء والرقاد .

أنجبت العجوز خلال حياتها الكثير من الأبناء ، والآن لم يبق منهم بين الأحياء سوى خمسة بعد أن زارهم الموت كما تزور العِرسة قن الدجاج ، ثم نشبت الحرب . ومع ذلك فقد نجا خمسة : ثلاث بنات وابنان . عاشت إحدى البنات فى نفس المنطقة ، والأخرى فى المدينة ، أما الثالثة فقد كانت تعيش بعيدا جدا فى كييف . انتقل الابن الأكبر من الشمال ، حيث استقر بعد الخدمة العسكرية ، إلى المدينة أيضا . أما العجوز فقد استقرت عند ابنها الأصغر ميخائيل ، الوحيد الذى لم يترك القرية ، وراحت تبذل كل ما بوسعها حتى لا تعكر بشيخوختها حياة أسرته .

فى هذه المرة سار كل شئ فى اتجاه أن العجوز لن تبقى حتى نهاية الشتاء . فمنذ الصيف ، وبمجرد أن بدأت صحتها تتدهور ، صارت تنتابها نوبات إغماء . وكانت حقن الممرضة التى تركض نينكا فى استدعائها هى التى تعيدها من العالم الآخر . وحينما تعود إلى وعيها تظل تئن فى ضعف وبصوت غريب ، والدموع تطفر من عينيها ، ثم تتمتم :
كم مرة قلتُ لكم : لا تلمسونى ، دعونى أرحل بهدوء . أين كنتُ الآن لولا ممرضتكم هذه . ثم تُعَلِّم الصغيرة : لا تركضى بعد الآن إليها ، لا تركضى . إذا أمرتك أمك بالذهاب ، اختبئى فى الحمَّام ، وانتظرى قليلا ، ثم قولى لها : إنها غير موجودة بالبيت . وسأعطيك مُلَبَّسَة فى غاية الحلاوة …

فى بداية سبتمبر هبطت على العجوز مصيبة أخرى : استحوذ عليها نوم متواصل . لم تعد تأكل أو تشرب ، وإنما راحت فى نوم طويل . يلمسونها تفتح عينيها ، تتطلع بنظرة خابية من دون أن ترى شيئا أمامها ، ثم تعاود نومها من جديد . وكانوا يلمسونها كثيرا لكى يعرفوا : حية أم ميتة . تيبس جسدها ، وفى النهاية اصفرت ملامحها صارت جثة هامدة وإن لم يغادرها النفس الأخير .

عندما صار من الواضح تماما أن العجوز سترحل إن لم يكن اليوم فغدا ، ذهب ميخائيل إلى البريد وأرسل تلغرافات إلى أخيه وأخواته للحضور . بعد ذلك هز العجوز موقظا إياها ، وابتدرها قائلا :
انتظرى يا أمى ، سيأتون سريعا . يجب أن يروك وترونهم .

فى صباح اليوم التالى ، كانت فارفارا الابنة الكبرى للعجوز أول الحاضرين . لم يكن حضورها من منطقتها صعبا ، فالمسافة لا تزيد عن خمسين كيلومترا ويمكنها أن تستقل أية سيارة بالطريق . فتحت فارافارا البوابة الخارجية ، لم تلمح أحدا فى الفناء ، وبمجرد أن تنبهت للأمر انفجرت فى الصياح والعويل :
أمى ، يا أمى … !

وثب ميخائيل نحو السلم :
تمهلى ! فهى لم تزل حية بعد . إنها نائمة . لا تصرخى ، على الأقل فى الشارع . وإلا ستجمعين علينا أهالى القرية كلهم .

دخلت فارفارا دون أن تنظر نحوه وسقطت على ركبتيها بجوار سرير العجوز ، ومرة أخرى راحت تهز رأسها وتنوح :
أمى ، يا أمى … !

لم تستيقظ العجوز ، ولم تسر فى وجهها نقطة دم واحدة . ربت ميخائيل على خدى أمه اللذين تقعرا . عندئذ فقط تحركت عيناها تحت جفنيها . حاولت فتحهما ولكن دون جدوى .
أمى هزها ميخائيل هذه فارفارا قد حضرت . انظرى .
أمى جاهدت فارفارا هذه أنا ، ابنتك الكبرى . جئتُ لأراك ، وأنت لا تنظرين إلىَّ ! يا أمى !

اهتزت عينا العجوز ، ارتجفتا مثل كفتى ميزان ، ثم تصلبتا وانطبقتا من جديد . نهضت فرفارا وابتعدت لتبكى خلف المائدة حيث الوضع أكثر راحة هناك . بكت طويلا بينما أخذت تدق رأسها بالمائدة . انهمرت دموعها غزيرة ولم تعد قادرة على إيقافها . بالقرب منها راحت نينكا ذات الخمس سنوات تروح وتجئ وتنحنى حتى ترى لماذا لا تجرى دموع فارفارا على الأرض ؛ أبعدوا نينكا ، ولكنها تلك الماكرة تسللت مرة أخرى واحتلت مكانا خلف المائدة .

فى المساء وصل إيليا ولوسيا من المدينة على ظهر مركب اتضح أنه لحسن حظهما يتناسب مع الظرف الطارئ على الرغم من أنه يبحر مرتين فقط فى الأسبوع . استقبلهما ميخائيل على الرصيف وقادهما إلى البيت الذى ولدوا جميعا فيه وكبروا . ساروا فى صمت : لوسيا وإيليا على الرصيف الخشبى الضيق المتضعضع ، وميخائيل إلى جوارهما على الوحل المتيبس . راح القرويون يلقون بالتحية على لوسيا وإيليا دون إيقافهما ، وبمجرد أن يتجاوزونهما يلتفتون مرة أخرى ويطالعونهما فى اهتمام . وأخذ العجائز والأطفال يتطلعون من النوافذ إلى الزائرين ، وكانت العجائز يرسمن إشارة الصليب على صدورهن .

لم تتمالك فارفارا نفسها حين رأت أخيها وأختها :
أمنا ، يا أمنا … !
تمهلى أوقفها ميخائيل ثانية سيكون لديك ما يكفى من الوقت لذلك .
وقف الجميع بالقرب من سرير العجوز ومعهم ناديا زوجة ميخائيل ، وفى المكان نفسه نينكا أيضا . كانت العجوز راقدة بدون حراك تبدو وكأنها فى نهاية حياتها أو فى بداية موتها . تأوهت فارفارا :
لقد ماتت !

لم يهدئ من روعها أحد ، وإنما اهتز الجميع فى أماكنهم برعب . مدت لوسيا كفها بسرعة نحو فم العجوز المفتوح فلم تشعر بتردد أنفاسها . قالت متذكرة :
مرآة ، إعطونى المرآة .

اندفعت ناديا نحو المائدة ، تناولت بقايا مرآة ، مسحتها على عجل بطرف ثوبها وأعطتها للوسيا التى قرَّبتها بنفاذ صبر من شفتى العجوز المزرقتين . ظلت ممسكة بها للحظة ، وعندما تجمع البخار على سطحها تنفست فى ارتياح قائلة :
ما زالت حية ، أمنا ما تزال حية .

انخرطت فرفارا فى البكاء مرة أخرى وكأنها سمعت العكس ، أما لوسيا فذرفت دمعة وابتعدت . وقعت المرآة فى يد نينكا . أخذت تنفخ على سطحها وهى تنتظر ماذا سيحدث لها بعد ذلك ، ولكنها لم تجد ما كانت تتوقع أن يروق لها . وفى غضون ذلك انتهزت الفرصة ودفعت بالمرآة نحو فم العجوز كما فعلت لوسيا منذ برهة . لمحها ميخائيل ، فضربها على مرأى من الجميع وطردها من الحجرة . طغى صياح نينكا وبكاؤها فاضطرت فارفارا إلى قطع بكائها ، وتنهدت قائلة :
آه ، يا أمنا أنت …

سألت ناديا عن المكان الذى يفضلون فيه تناول الطعام هنا فى الغرفة أم بالمطبخ . قرروا أن يتناولوه بالمطبخ لكى لا يسببوا أى إزعاج للعجوز . أحضر ميخائيل زجاجة فودكا وزجاجة نبيذ . صب الفودكا لنفسه ولإيليا ، ونبيذا للأختين والزوجة . ثم قال :
لن تأتى تاتيانا اليوم ، ولن ننتظرها .
رد إيليا موافقا :
أى نعم . لقد انتهى النهار ولم تعد هناك وسيلة نقل . فإذا كانت قد استلمت التلغراف بالأمس ، فسوف تركب الطائرة اليوم إلى المدينة ثم تستقل وسيلة نقل أخرى . لعلها تجلس الآن هناك بالمنطقة والسيارات لا تسير فى الليل أى نعم .
وربما تجلس منتظرة بالمدينة .
ستصل غدا .
من الضرورى غدا .
لو غدا فسوف يكون بإمكانها أن تلحق .

رفع ميخائيل الكأس الأول باعتباره صاحب البيت :
هيا ، لنشرب نخب اللقاء .
أ ليس بإمكاننا قرع الكؤوس ؟ تساءلت فارفارا فى فزع* .
ممكن ، ممكن ، فنحن لسنا فى حفل تأبين .
لا تتكلم هكذا .
الكلام الآن مثل عدمه ، لا فرق …
قالت لوسيا فجأة فى حزن وقلق :
منذ زمن طويل لم نجلس هكذا ، لا تنقصنا سوى تاتيانا . سوف تأتى ، سنصير مرة أخرى معا وكأننا لم نفترق أبدا . كنا نجلس دائما حول هذه المائدة ، ومن أجل الضيوف فقط كنا نعد المائدة فى الغرفة . إننى حتى أجلس فى نفس مكانى ، أما فارفارا فليست فى مكانها .. وأنت أيضا يا إليا .
قاطعها ميخائيل فى غضب :
ماذا تقولين .. لم نفترق ! لقد افترقنا ، وافترقنا تماما . فارفارا هى الوحيدة التى تطل علينا .. عندما تكون فى حاجة إلى بطاطس أو أى شئ آخر . أما أنتم فكأنكم غير موجودين فى الدنيا .
فارفارا قريبة من هنا .

لم تتماسك فارفارا :
كأنكم تأتون من موسكو نفسها . الأمر كله مجرد يوم واحد على المركب وتكونون هنا . من المفترض ألا تتحدثوا فى تلك الأمور طالما لا تتقبلون حقيقة أننا إخوة . لقد صرتم من سكان المدن ، فهل ستشغلون بالكم بقرويين مثلنا !
ردت لوسيا فى انفعال :
ليس لك حق ، يا فارفارا ، فى هذا الكلام . ما شأن سكان المدن والقرويين هنا ؟ فكرى قليلا فيما تقولين .
أى نعم . فارفارا ليس لديها حق طبعا ، ليست إنسانا ، فلماذا التحدث معها ؟ ليس لها وجود ، وليست أختا لأختيها وأخويها … وأنتِ إذا سألناك : كم مضى منذ هذه اللحظة على غيابك عن هذا البيت ؟ أما فارفارا فليست إنسانا ، وهى التى كانت وما زالت تزور أمها عدة مرات فى السنة رغم أن أسرتها ليست كأسرتك ، وإنما أكبر . لقد صارت فارفارا الآن متهمة .
ثم أضاف ميخائيل مؤيدا فارفارا :
أنت لم تأت منذ زمن بعيد .. ولكن ما فائدة الكلام الآن ! كنتِ عندنا آخر مرة قبل ولادة نينكا . أما آخر مرة كان إيليا فيها هنا عندما انتقل من الشمال ولم تكن ناديا قد فطمت نينكا بعد . أ تَذْكُر .. كيف ضَحِكْتَ عندما دهنوا ثدى أمها بالخردل ؟
هز إيليا رأسه متذكرا بينما قالت لوسيا فى غضب :
لم أقدر ، ولهذا لم أحضر .
ردت فارفارا غير مصدقة :
لو أردت لحضرت .
ماذا تعنى لو أردت ، إذا كنت أقول لم أقدر ؟ فى حالتى الصحية هذه ، إذا لم أتعالج خلال الإجازة ، فسوف أدور بعد ذلك طوال السنة على المستشفيات .
كل شئ وله عندك الحجة المناسبة ؟
أى شئ وأية حجة ! ما هذا الخلط ؟
لا شئ . لم يعد هناك من يمكنه أن يقول لكم ولو حتى كلمة واحدة . لقد أصبحتم من ذوى الشأن .
تدخل ميخائيل قائلا :
حسنا ، لنشرب كأسا ثانيا ، فلماذا نترك الخمر تفسد ؟
قالت فارفارا محذرة :
من الأفضل أن نكتفى بذلك . أنتم الرجال ليس لديكم هَمُّ سوى السُّكْر . أمنا نائمة تحتضر وهُم هنا يتسلون . فإياكم أن تغنوا أيضا ..
ليس هناك من ينوى الغناء ، أما الشرب فممكن . نحن نعرف متى نشرب ، ومتى لا نشرب لسنا صغارا .
أوه ، الاحتكاك بكم مصيبة ..

جلسوا يتبادلون الحديث حول المائدة الخشبية الطويلة التى صنعها المرحوم والدهم منذ ما يقرب من خمسين عاما مضت ، وقد صاروا لا يشبهون بعضهم البعض منذ أن أصبحوا يعيشون منفصلين . كانت ملامح فارفارا تجعلها تبدو وكأنها أمهم على الرغم من أنها تجاوزت الخمسين فقط فى العام الماضى ولكن مظهرها بدا أسوأ بكثير من هذه السن ، صارت تشبه المرأة العجوز ، وخلافا لبقية أسرتها كانت بدينة وبطيئة . شئ واحد أخذته عن أمها : أنجبت كثيرا هى الأخرى ، الواحد بعد الآخر ، ولكنهم فى زمنها كانوا قد تعلموا حماية الأطفال من الموت ، أما الحرب فلم تكن معروفه لهم فسلموا جميعا وعاشوا أصحاء ما عدا واحد فقط كان قابعا بالسجن . لم تر فارفارا سعادة كبيرة فى أولادها : قاست معهم وتشاجرت قبل أن يكبروا ، ومازالت تتعذب وتتشاجر معهم بعد أن كبروا . وبسببهم شاخت قبل الأوان .

بعد فارفارا أنجبت العجوز إيليا ، ثم لوسيا فميخائيل ، وأخيرا تاتيانا التى مازالوا ينتظرون مجيئها من كييف . ظلوا يطلقون على إيليا ، لقصر قامته حتى التحاقه بالخدمة العسكرية ، بإيليا القصير . والتصقت به التسمية على الرغم من عدم وجود أى إيليا آخر طويل بالقرية . وبسبب معيشته لأكثر من عشر سنوات فى الشمال سقط شعره ، وأصبح رأسه مثل البيضة أجردا يلمع فى الطقس المشمس وكأنهم قاموا بصقله . هناك فى الشمال تزوج ، ولكن زواجه لم يكن موفقا تماما . بدون عناية : اختار لنفسه امرأة معتدلة الطول وعاشا معا حتى صارت أضخم من إيليا بمرة ونصف المرة الأمر الذى زادها جرأة وفظاظة وحتى قد وصلت إلى القرية أخبار تفيد بأن إيليا يعانى منها الكثير .

لوسيا أيضا تجاوزت الأربعين ، ومع ذلك لا يمكن التكهن بذلك أبدا : تبدو شابة ، وأصغر سنا على غير العادة هنا ، بوجه رائق وناعم كما لو كانت فى صورة ، ولم تكن ترتدى ملابسها كيفما اتفق . تركت لوسيا القرية بعد الحرب مباشرة وخلال تلك السنوات تعلمت طبعا من نساء المدينة كيف تعتنى بنفسها . بل ويمكن أن نقول : أية هموم يمكن أن توجد لديها وهى بدون أطفال ؟ أما الأطفال ، فلم يرزقها الله بهم .

لم يكن ميخائيل شبيها بإيليا . كان شعره كثيفا ومجعدا مثل الغجر ، حتى لحيته كانت مجعدة وملفلفة الشعر فى حلقات . كان وجهه أيضا أسمر ، ولكن تلك السمرة لم تكن طبيعية بقدر ما كانت بسبب الشمس والصقيع يعمل بالتحميل على ضفة النهر صيفا ، وشتاء يقطع الأشجار بالغابة ، كان يحيا فى الهواء الطلق على مدار السنة كلها .

هكذا جلسوا يتحدثون خلف المائدة الخشبية الطويلة بالمطبخ حتى لا يزعجوا أمهم المحتضرة ، التى من أجلها اجتمعوا لأول مرة منذ سنوات طويلة فى بيتهم . كان لدى ميخائيل وإيليا ما يشرباه بعد . أما النساء فقد أبعدن كؤوسهن ، ولكنهن لم ينهضن جلسن فى استرخاء بتأثير اللقاء والأحاديث ، وكل ما حمله لهم ذلك اليوم ، متوجسات مما سيأتى به الغد .

قال ميخائيل :
كان علىَّ أن أرسل تلغرافا على الفور إلى فولوديا أيضا . ولربما كان جالسا هنا الآن ، بجوارنا . كم أود رؤيته ، وما آلت إليه أحواله .
أين هو ؟ سأل إيليا .
فى الجيش ، سيكمل عامه الثانى قريبا . فى الصيف وعد أن يأتى فى إجازة ، ولكن يبدو أنه تحت العقاب لم يسمحوا له بالانصراف . لقد كتب أن أحدا ما من مجموعته ترك مركز الحراسة ، فعاقبوه هو بصفته الرئيس . وربما أن يكون هو نفسه قد ارتكب شيئا ما ، فمثل تلك الأمور كثيرة الوقوع هناك . ما رأيك ، هل سيسمحون له بإجازة ، أم لا ، ولو حتى من أجل جدته ؟
يجب أن يسمحوا له .
كان يجب علىَّ أن أرسل إليه فورا بالأمس . لقد ارتكبت حماقة . والآن أفكر : ماذا أكتب لكى لا يتصلَّبوا فى رأيهم ؟ فهو على أية حال حفيد وليس ابنا .
قالت فارفارا فى لهجة نصح :
عليك أن تكتب هكذا : جدتك فى حالة سيئة ، ننتظر وصولك بأقصى سرعة .
اهتزت ناديا من السعادة المفقودة التى لو تحققت الآن لرأت ابنها أمام عينيها .
هذا ما قلته له . فهل من المعقول أن يسمع الكلام ؟!
فقالت لوسيا :
انتظروا قليلا .
أى نعم ، من الأفضل الانتظار وإلا من الممكن إفساد كل شئ . وبعد ذلك : كيت وكيت ، وعندئذ فمن الضرورى أن يسمحوا له بحضور الجنازة .
تأوهت فارفارا :
أوه ، أوه ، يا إلهى . لم نفكر أبدا فى كل ذلك ، أم واحدة للجميع ، وهكذا ينتهى الأمر .
وكم تحتاجين ؟ قال إيليا ساخرا .
قالت فارفارا فى استياء غضب :
أنت بالضبط مثل الغريب ! كل شئ لديك بالغمز واللمز . تريد دوما أن تجعل منى حمقاء ، ولكننى لست أحمق منك ، فلا تغمز أو تلمز .
أنا لا أعتقد أنكِ أكثر حمقا ، ماذا جعلك تفكرين هكذا ؟
أى نعم ، لا تعتقد .
سألت لوسيا ناديا فى همس :
لديكم ماكينة خياطة ؟
لدينا ، ولكننى لا أدرى هل تعمل أم لا . لم أُشَغِّلها منذ فترة طويلة . أوضحت لوسيا قائلة :
بحثتُ اليوم فلم أجد لدىَّ ، لسوء الحظ ، ولو فستان أسود واحد . أسرعتُ إلى المحل واشتريتُ قماشا ، ولم يكن هناك طبعا متسع من الوقت لخياطته فقمتُ فقط بتفصيله ، وعلىَّ أن أُخَيِّطه هنا .
لن تلحقى اليوم .
سألحق ، أنا أُخَيِّط بسرعة . سوف أعمل هنا فى المطبخ بعد أن يناموا .
حسنا ، سأحضرها وافعلى كما تشائين .

قبل الذهاب إلى النوم اجتمعوا مرة أخرى بالقرب من الأم ليروا فى أى حال تنام . جربت لوسيا جس النبض ، وقاسته بصعوبة كان ضعيفا للغاية . نفد صبر ميخائل فهز أمه من كتفها . عندئذ سمع فجأة كيف يخرج من مكان ما من داخلها أنين ليس كالأنين ، وشخير ليس كالشخير ، كأنه ليس أبدا صوت أمه . كان صوتا غريبا ، وكأن الموت وهو يؤدى مهمته قد كشر عن أنيابه . أشاروا إلى ميخائل بالصمت ، ولكن ذلك الصوت أفقدهم جميعا السيطرة على أنفسهم ، حتى نينكا التصقت بأمها وجمدت .
ليتها تبقى حية حتى الصباح تمتمت فارفارا ناشجة بهذه الكلمات ، ثم صمتت .

بدأوا الاستعداد للنوم . كان البيت كبيرا ، ولكنه كان يتكون على النظام القروى من قسمين فقط : فى أحدهما كانت العجوز تستلقى ، وفى الآخر ميخائيل وأسرته . فرشت ناديا لنفسها ولزوجها على الأرض وقدمت سريرها إلى لوسيا . وجدوا لفارفارا سريرا نقالا فنصبوه لها فى القسم الذى تنام فيه العجوز ، ومن أجل أن تعتنى أيضا بأمها . أرادوا أن يفرشوا لإليا بالقرب منها ، ولكنه فضل النوم فى الحمام . كان الحمام فى بيت ميخائيل نظيفا ، ليس فيه سخام أو رائحة عفنة ، وكان يقع فى حديقة البيت . أعطوا إيليا معطفا من الفرو وصديرى ليفرشهما تحته وبطانية قطنية ليتغطى بها . ذهب إليا لينام بعد أن طلب منهم إيقاظه إذا حدث شئ .

أطفأوا المصباح الكهربائى عند العجوز ، وأشعلوا لمبة الكيروسين ، وقرروا الإبقاء على الضوء طوال الليل .

أخرجت ناديا ماكينة الخياطة ووضعتها على نفس المائدة التى كانوا يجلسون حولها . فى البداية جربتها لوسيا على خرقة فوجدتها تعمل جيدا . قالت لوسيا لناديا :
ارقدى . نامى طالما هناك فرصة ، فلا أحد يعلم أية ليلة ستكون هذه .

انصرفت ناديا . سألها ميخائيل عن شئ ما هامسا ، فأجابته هى الأخرى بهمس .

بدأت ماكينة الخياطة فى الصرير . ذُعِرَت لوسيا نفسها وأفلتت الذراع بدا صريرها عاليا مثل صوت طلقات الرصاص . هرولت فارفارا مذعورة ، ولكنها هدأت قليلا حينما رأت لوسيا .
الحمد لله ! فكرتُ أن أحد هنا … لقد زلزلنى الرعب . ولكن ما هذا الذى لا يمكن تأجيله ؟

لم ترد لوسيا وتابعت الخياطة .
تجهزين الأسود ، للحداد ؟
لا أفهم : هل من الضرورى الاستفسار عن ذلك أيضا ؟
وماذا قلتُ لكِ ؟
لا شئ .
استمرى ، فلن أنطق بأى شئ . سأجلس بجانبك قليلا ثم أذهب . لن أعطلك .

جذبت فارفارا المقعد الخشبى وجلست عند طرف المائدة . لم تخلع ملابسها وإنما اكتفت بفك جواربها فتهدلت إلى ما تحت ركبتيها .

فى مكان ما من النهر أطلق مركب صفيرا بعيدا مكبوتا ، ثم كرره عدة مرات . رفعت فارفارا رأسها مرهفة السمع ، ثم قطبت جبينها فى توتر :
لماذا يصفر هكذا ؟
لا أدرى ، لعله يعطى إشارة لأحد ما .
لم يجد مكانا آخر لإشارته هذه ، لقد تمزقت أحشائى .

جلست فارفارا قليلا ثم نهضت بدون رغبة .
سأذهب . هل ستبقين هنا طويلا ؟
إلى أن أنتهى من الخياطة .
كان علينا ألا ننام اليوم ، أوه ، لم يكن من الضرورى هزت فارفارا رأسها لو جلسنا نتحدث لكان الأمر أهون . قلبى يحدثنى : كل ذلك غير مُطَمْئِن .

انصرفت فارفارا ، ولكن ما لبثت أن عادت . استندت إلى الجدار لتبث الرعب فى نفس لوسيا التى سألتها بفزع :
ماذا ؟
أما إن هذا يخيل إلىَّ ، أو إنه حقيقة . اذهبى وانظرى . اذهبى .

لم تصدق لوسيا ، ولكنها لم تستطع أن تقول إنها لا تصدق . ذهبت إلى الأم . أمسكت بيدها ، ولكنها سمعت من وراء ظهرها أنفاس فارفارا ثقيلة مختلطة بصفير : إى آ ، إى آ ، إى آ . اضطرت إلى إبعادها ، وعندئذ فقط استطاعت بصعوبة بالغة التقاط نبضها الذى بدا هادئا وضائعا وكأنه آتية من على بعد عدة كيلومترات . خيل إليها أنه أضعف من المرة السابقة ، لم يكن متتاليا وإنما تتخلله فترات توقف .
قالت لوسيا مشفقة على أختها :
نامى أنت . فأنا بعد مازلت أعمل ، وسوف أعتنى بها . سوف أوقظك فيما بعد .

شرعت فارفارا تبكى على طريقة الأطفال ، وقالت :
وهل أستطيع أن أغفو ؟ إليا ماكر ، خرج من البيت وترك الهم لأصحابه . أ من المعقول أن أنام الآن ؟ سأظل أفكر طوال الوقت عن هذا وذاك . من الأفضل أن أجلس إلى جوارك .
اجلسى إذا كنت تريدين .
سأبقى هادئة .

مرة أخرى جلست بجوارها . تنهدت ولمست القماش بيدها . راحت تراقب لوسيا وهى تعمل ، ثم سألتها :
ستأخذين هذا الثوب معك فيما بعد ؟
وماذا فى ذلك ؟
كنتُ أود أن أقول إذا لم تأخذينه معك ، فيمكننى أن آخذه .
وما حاجتك إليه ؟ إنه ليس بمقاسك .
لن آخذه لنفسى . عندى ابنه فى نفس مقاسك ، وسيكون مناسبا لها بالضبط .
وابنتك ، ليس عندها ما تلبسه ؟
يمكن القول لا شئ . لديها بعض الملابس ، ولكنها تهرأت كلها من كثرة الاستخدام . والفتاة ، كما تعرفين ، تحب أن تتباهى .
تتباهى فى الأسود ؟
هى ليست متكبرة . تلبسه ولو حتى فى أيام المطر ، فهى لن تلبس فستانا ملونا .
وعدتها لوسيا :
سأعطيه لك قبل السفر .
فرحت فارفارا :
سأقول لها : من خالتك .
قولى ما تشائين .

حينما لفهما الصمت وأوقفت لوسيا الماكينة ، تناهى شخير أحد ما من قسم البيت المخصص لميخائيل . أرهفت فارفارا السمع :
مَنْ هذا ؟
وعندما علا صوت الشخير بعد ذلك ، قالت غاضبة :
عديم الضمير ، وجد الوقت المناسب . لم يعد هناك حياء أو ضمير . ويقولون ابنها من لحمها ودمها صمتت قليلا ثم طلبت فجأة من لوسيا :
لنذهب إليها مرة أخرى ، فأنا أخشى بمفردى .

كانت العجوز لا تزال على حالها : حية وغير حية . كل شئ فيها مات . قلبها فقط ، الذى تحلل خلال حياتها الطويلة ، هو الذى بقى يتحرك بالكاد . وكان من الواضح أنه يتحامل بصعوبة ، ولعل ذلك سيستمر فقط حتى طلوع الصباح .

بينما كانت لوسيا مستمرة فى الخياطة ، ظلت فارفارا مستيقظة ولم تذهب للنوم . وفى نهاية الأمر كان على لوسيا أن تترك لها سريرها وتنام على السرير النقال وإلا ، فالأمر سيان ، لن تدعها فارفارا تنام .

( 2 )

بدأ ضوء الفجر فى الانتشار وأصبحت الرؤية ممكنة ، ولكن قبل شروق الشمس ارتفع من ناحية النهر ضباب كثيف غرق فيه كل شئ وتبدد . تردد خوار الأبقار خافتا فى أرجاء القرية ، وأطلقت الديكة صياحا قصيرا مكتوما ، وتناءت أصوات الناس مثل سمكة تتخبط فى المياه . التحف كل شئ بضباب أبيض كثيف لا يستطيع الإنسان أن يرى من خلاله سوى نفسه . أشرق نور الصباح الذى يتأخر عادة فى مثل هذه الأيام بينما سرق الضباب الضوء ، ولم يعد الناس يرون طريقهم .

كانت ناديا أول المستيقظين فى بيت العجوز . وكانت حماتها ، حتى فترة غير بعيدة ، هى التى توقظها بعد خوار البقرة . لم تكن ناديا تنهض إلى عملها ، حتى ولو كانت غير نائمة ، إلا بعد أن تسمع نداء العجوز من سريرها . الآن لم تنهض على الفور ، بل انتظرت كالعادة صوت العجوز رغم إنها تعلم جيدا أنها لن تسمعه . وفعلا لم تسمعه ، بل سمعت خوار البقرة الممطوط وكأنها تدعو أحد لحلبها ، فكان على ناديا أن تنهض . بينما كانت طوال الوقت تفكر فى العجوز وهى خائفة من معرفة ما إذا كانت قد ماتت أم لا تزال بعد حية . راحت ترتدى ملابسها فى صمت ثم خرجت من البيت متسللة ، وفى المدخل تناولت دلو الحليب المعلق على المسمار .

على أثرها نهضت فارفارا التى تعودت الاستيقاظ مبكرا . رأت أن ناديا غير موجودة فى حين أن الباقين مازالوا نائمين . تنهدت ما يقرب من الخمس مرات فى صعوبة وبصوت مسموع ، ثم ختمتها بأنين طويل لكى توقظ ميخائيل النائم على الأرض . ولكنه مع ذلك لم يتحرك . عندئذ تنهدت فارفارا ، على نفسها هذه المرة ، دون أن تلحظ ذلك ، واعتراها شئ من الخوف ، وكأن هناك من نَوَّم جميع الأحياء فى البيت عنوة . ذهبت فى تأن وحذر إلى القسم الثانى من البيت حيث كانت ترقد العجوز . حاولت ألا تكشف عن نفسها ، وتوقفت عند الباب . لم تكن للبيت أبواب أخرى سوى الباب الكبير بالمدخل الرئيسى ، وكانت هنالك فتحة فى الجدار الذى يقسم البيت إلى قسمين ، فوقفت فارفارا فيها تحدق بخوف فى الفرفة شبه المعتمة . لم تكن ترى وجه العجوز الذى كان محتجبا خلف ظهر السرير . فقط ، كان هناك شئ ما تحت الغطاء لا تعرف أ هو حى أم ميت . لم تجرؤ فارفارا على التقدم لتتأكد بنفسها ، تراجعت قليلا إلى الوراء وهى تفكر أنه من الضرورى الذهاب أولا إلى الفناء كيلا تضطر ذلك فيما بعد عندما لا يكون الوقت مناسبا .

عادت فارفارا وناديا معا من الشارع . بدأت ناديا بتصفية الحليب بقطعة من الشاش فى المطبخ ، أما فارفارا تراوح فى نفس المكان ، تارة تقترب من هذا الطرف ، وتارة أخرى من الطرف الثانى ، وماكينة الخياطة التى تركتها لوسيا ما تزال على المائدة .
سألت ناديا فارفارا فى همس :
هل خَيَّطَتْ بالأمس ؟
ردت فارفارا أيضا فى همس :
خَيَّطَتْ . لم تتمكن من إنهاء بعض الأشياء البسيطة ولكنها لم تستطع التماسك أكثر من ذلك ، فقالت فى رجاء هيا نوقظها ، لم أعد أحتمل .
حالا ، ولكن سأخرج الحليب أولا .

خطت فارفارا إلى المدخل خلف ناديا وكأنها مشدودة إليها ، ثم تبعتها مرة أخرى وكان هناك برطمان واحد فقط ، لكن فارفارا لم تفطن لحمله ، بل راحت تسير خلف ناديا بدون حمل أى شئ . أخيرا فرغت ناديا من أمر الحليب ومسحت يديها بخرقة ، ثم اتجهت فى المقدمة نحو قسم العجوز .

لوسيا ما تزال نائمة . من الواضح أنها فعلا نائمة ، ولكن لم يكن هناك أحد يمكنه أن يقول ذلك عن العجوز . نظرت ناديا إلى حماتها ثم حولت عينيها عنها بسرعة . أما فارفارا فلم تجرؤ حتى على النظر إليها وأخذت توقظ لوسيا . استيقظت لوسيا على الفور ونهضت على عجل حتى أن السرير قد انزاح جانبا عن مكانه .
سألت لوسيا :
ماذا .. ماذا ؟
استعدت فارفارا للبكاء :
لا أدرى . أنا نفسى لا أدرى . انظرى أنتِ .

صحت لوسيا تماما . مسدت شعرها بيديها ، وارتدت الروب الذى كان ملقى بجانبها على المقعد ، ثم اقتربت من الأم . كانت قد تعلمت تمييز إمارات الحياة ، فرفعت يد العجوز ، ولكن سرعان ما أفلتتها وارتدت إلى الوراء مبتعدة : أنَّت العجوز فجأة بصوت خافت ، ثم جمدت بدون حراك . شرعت فارفارا فى النواح :
أمى ، أمى ، يا أمى ، أمى ! آه ، افتحى عينيك آى آى !

ركض ميخائيل فى ثيابه الداخلية ولم يكن يفهم ما يجرى من تأثير النوم .
استراحت ؟ أوه ، أمى ، يا أمى … يجب إرسال تلغراف إلى فولوديا .
أوقفته ناديا :
ماذا بك ؟! لماذا تقول ذلك ؟
جسَّت لوسيا نبض العجوز وقالت فى ارتياح :
إنها حية .
حية ؟! التفت ميخائيل نحو فارفارا وصاح فى وجهها : لماذا تنوحين هنا وكأنك فى مأتم ؟ اخرجى وإلا أيقظتِ نينكا أيضا ! عُدْتِ إلى نغمتك من جديد !
قالت لوسيا فى حزم :
هدوء ! اخرجوا جميعا من هنا .

جلست لوسيا تحبك عروات الفستان الجديد وتخَيِّط الأزرار التى جلبتها معها من المدينة إلى أن انتهت ناديا من قلى البطاطس .

انصرفت فارفارا إلى الحمام دامعة العينين ، وهزت إيليا قائلة :
أمنا حية ، حية .
رد إيليا بضيق وتأفف :
إذن لماذا توقظيننى مادامت حية ؟
أردتُ أن أقول لك ذلك ، أن أُفرحك .
من الأفضل أن تتركيننى أشبع نوما ، وبعدها تقولين لى . لماذا توقظيننى فى مثل هذا الوقت المبكر ؟
الوقت ليس مبكرا . إنه الضباب .

بقى الضباب طويلا ، حتى الحادية عشرة ، إلى أن جاءت تلك القوة التى بددته تماما . وعلى الفور انصبت أشعة الشمس قوية ساطعة كما فى الصيف ، وأصبح المكان كله طَرِبَا وصافيا . كان الوقت فى بدية سبتمبر ومع ذلك فلم تكن بوادر الخريف قد لاحت بعد . حتى أوراق البطاطس فى حديقة البيت ما تزال خضراء . وفى الغابة ، كانت تظهر فى بعض الأماكن فقط بقع صفراء متفرقة وكأن أشعة الشمس قد لفحتها فى يوم قائظ .

فى السنوات الأخيرة ، بدا وكأن كل من الصيف والخريف قد تبادلا أماكنهما : تهطل الأمطار فى يونيو ويوليو ، ثم يصحو الطقس حتى عيد الشفاعة الجيد هنا أن الطقس حار ، ولكن السئ فيه أنه فى غير وقته . فعلى النساء الآن أن يخمن متى ستجمع البطاطس : حسب المواعيد القديمة يكون الوقت قد حان ، ولكن طالما الطقس جيد فمن الممكن تركها لتنضج كما ينبغى أى نضج فى الصيف حينما تسبح فى الماء مثل الأسماك . ولكن إذا تُرِكَت قد تسوء حالة الطقس فجأة وآنئذ سيكون من الصعب انتشالها من الطين . أمر محير ، ولا أحد يعرف ما العمل . الوضع ذاته ينطبق على جمع الأعلاف أيضا : أحدهم جمعها حسب المواعيد القديمة ، ولكنها تعفنت تحت الأمطار . والآخر تأخر بسبب كسله ، فربح الأمر . لقد أصبح الطقس مشوشا مثل عجوز خرفة تنسى تسلسل الأشياء ، والناس يقولون أن كل ذلك بسبب البحار التى أقيمت تقريبا على جميع الأنهار .

قلت ناديا كمية من البطاطس الطازجة التى تم جمعها للتو من حديقة المنزل ، ووضعت إلى جوارها فطرا مخللا فى طبق عميق . شهقت لوسيا لدى رؤيته :
فطر مخلل ! فطر حقيقى ! لقد نسيت وجوده تماما لم آكله منذ زمن بعيد . أنا لا أصدق .
أما إيليا الذى أخذ يتمطق فى شهية ، فقال :
فطر . آى نعم ! ليس هذا بالأمر البسيط ، ولكن لو كان معه شئ من الشراب لكان الأمر أفضل آى نعم !
قال ميخائيل موجها اللوم إلى ناديا :
لماذا لم تقدمى منه بالأمس ، فهو مزَّة رائعة مع الشراب ، وبدونه يضيع هدرا .
احمَرَّ وجه ناديا ، ولكنها مع ذلك كانت مسرورة لأنها استطاعت إرضاء ضيوفها :
أردتُ أن أقدم منه بالأمس ، ولكننى ظننت‘ أنه لم يتملح كما ينبغى ، فلم تمض مدة كافية على تخليله . فى الصباح ذقته فأعجبنى ، وقررتُ تقديم بعضه ، لعل أحد يشتهيه . كلوا ، إذا كان يعجبكم .
هل هناك مزيد منه ؟
لا يوجد إلا قليل . لم يكن لدى وقت كافى لجمعه . الناس هنا يجمعونه بكثرة ، أراهم يحملون منه يوميا ، أما أنا فلا أجد وقتا لذلك ، دائما مشغولة . فى هذا الموسم خرجتُ لجمعه مرتين فقط ، ومن مكان قريب من طرف الغابة .
عندئذ تذكرت لوسيا :
كانت تاتيانا تحب جمع الفطر وتعرف جميع الأماكن . ذات مرة خرجتُ معها ، كانت لا تزال صغيرة ، وسرعان ما امتلأ دلوها . سألتها : " من أين أتيتِ بكل ذلك ؟ " " لا أعرف " . فقلتُ لها : " لعلك خبأته فى مكان ما قبل مجيئنا حتى تثبتى شطارتك " . غضبتْ منى وتركتنى … وعدنا إلى البيت فرادى . كان دلوها طافحا ، بينما يكاد الفطر بصعوبة يغطى قاع دلوى .
قال ميخائيل مفسرا الأمر :
لم تكن تقطف كل ما تراه ، إذا وجدت فطرا صغيرا تتركه ، ثم تأتى إليه فى اليوم التالى حتى يكون قد نما . كانت تتذكر أماكنه . كثيرا ما كانت تأخذنى معها ، ولكننى كنتُ أقطف كل ما أصادفه ، وأحمله إلى البيت . كانت تغضب منى إذا رأتنى أقطف فطرا صغيرا ، وذات مرة تشاجرنا فى الغابة . كنتُ أحب جمع الفطر الأحمر أكثر من أى نوع آخر ، فهو ينمو قريبا من بعضه البعض مثل الأعشاش .

قالت لوسيا ضاحكة :
إيليا أفضلنا فى جمع الفطر . كان يملأ دلوه بالحشائش ويغطيها بقليل من الفطر وكأنه جمع دلوا كاملا .
اعترف إيليا فى ارتياح :
آى نعم ، فعلا .
أ تذكرون عندما كانت ترسلنا أمنا إلى ما وراء النهر العلوى لجمع البصل البرى ؟ كان هناك مستنقع ينمو البصل على أطرافه . كنا نتبلل ونتسخ حتى نجمعه ، وكان منظرنا مضحكا . نضع أكياس البصل فى مكان جاف ، ثم نأخذ فى القفز من عِلِّية إلى أخرى … كنا نتسابق فى الجمع أيضا ، ونسرق من بعضنا البعض ، ونسبح بالمركب إلى الجزيرة لجمع الثوم ، هناك أيضا مقابل النهر العلوى …
أكمل له ميخائيل :
إلى يلوفيك .
نعم ، يلوفيك . هناك كنا نحصد للكولخوز . وكان أهالى القرية جميعا يأتون وقت حصاد الحشائش . أذكُرُ كيف كنتُ أجَذِّف : كان الحر شديدا والعناكب لا تفتأ تلدغ ، والأعشاب الجافة تندس بين الشعر وتحت الملابس …
همهمت فارفارا :
ربما ذباب الخيل ، وليست العناكب . العناكب تنسج خيوطها فى الزوايا ولا تلدغ .
قد يكون ذباب الخيل ، الأمر سيان ، فلها تسمية أخرى . هنا فقط يسمونها هكذا . وذات مرة جمعنا الحشائش من جزيرة أخرى … سأتذكر اسمها الآن ، اسمها يعنى أيضا شجرة …
ليستفينشيك . ما أكثر عنب الثعلب هناك ! كانت الأغصان تميل على الأرض من ثقل ثمارها . تأكل ، وتأكل ، وسرعان ما تشعر بالألم فى لسانك وتضرس أسنانك . كانت ثمارها كبيرة ولذيذة ، وكان الدلو يمتلئ بسرعة . ربما لا تزال كثيرة هناك حتى الآن .
لا ، فماذا تقول ! قالت ناديا ملوِّحة بيدها لا ، حتى الأشجار نفسها لم تعد موجودة . لقد أتت تعاونيات قطع الأشجار بمجرد قيامها على كل شئ ، واليوم عليك أن تبحث طويلا حتى تجد ما تأكله منها .
أوه ، يا للأسف !
ما أكثر الثمار الزرقاء التى كانت تنمو على المرتفع ! لم تعد موجودة أيضا . داستها الماشية ، والناس أيضا لا يرحمون .
لماذا يتصرفون هكذا ؟
من يدرى ! يخطفون وكأنها آخر مرة فى حياتهم . إنهم يقطعونها كيفما اتفق ، بالأغصان والأوراق .
وهل يوجد فطر ؟
يوجد هذه السنة . الناس يجمعون منه كثيرا .
هيا لجمع الفطر على الأقل .
عَقَّبَتْ فارفارا :
كان من الممكن المجئ إلى هنا والذهاب لجمع الفطر دون تلغرافات .
أغضب ذلك لوسيا :
الحديث معك لم يعد ممكنا يا لوسيا . كا ما نقوله غير مناسب ، كل شئ ليس على هواك . لا يجب أن تأخذى كل كلمة من كلماتنا على محمل آخر لكونك فقط أكبرنا سنا . لا تنس ، من فضلك ، أننا نحن أيضا كبار وبما فيه الكفاية ، وفى الغالب ندرك ما نفعل . فما هى الحكاية فى نهاية الأمر ؟
لم يقل أحد أى شئ . لا أدرى لماذا تضايقتِ هكذا ؟
أنا التى تضايقت !
وهل أنا ؟

عندئذ تدخلت ناديا داعية الجميع إلى الطعام :
هيا ، كلوا ، وإلا ستبرد البطاطس . فهى ليست لذيذة عندما تبرد . لقد أثنيتم على الفطر ولم تتذوقوه . كلوا كل ما أمامكم ، فلن نأكل حتى الغداء .
ستصل تاتيانا ، وسنتجمَّع .
ستلحق موعد الغداء ، آى نعم .
إذا كانت الآن فى المنطقة فلربما تصل قبل الغداء .
تشكَّت فارفارا مسبقا وقالت :
أخشى أن تكون قد قضت ليلتها فى فندق أو عند غرباء ومنعها تكبرها من المجئ إلينا .
رد ميخائيل :
لا ، من الضرورى أن تأتى . تاتيانا بسيطة .
تمسكت فارفارا برأيها فى إصرار قائلة :
كانت بسيطة ، ولكن سنرى كيف أصبحت الآن . فقد مر زمن طويل على غيابها عن البيت .
هى أبعد الجميع ويلزمها وقت أطول ، فليس من السهل السفر من هناك .
ومن قال لها أن تبتعد هكذا ؟ إذا كان ولابد لها من رجل عسكرى ، فهم الآن فى كل مكان . كان بإمكانها أن تختار واحد أقرب . هى الآن مثل اليتامى ، لقد تصرفت بدون عقل .
هزت لوسيا رأسها فى عجز وحيرة :
من الأفضل ألا نناقش أختنا فارفارا . هى دائما على حق .
أنتم لا تحبون سماع الحقيقة .
قالت لوسيا :
أترون ؟ ثم أضافت وهى تنهض من خلف المائدة موجهة الشكر إلى ناديا :
شكرا يا ناديا . كان الإفطار شهيا .
لم تأكلى إلا قليلا ، ليس هناك ما يستحق الشكر .
لا ، هذا كاف لى . معدتى لم تعد معتادة على مثل هذا الطعام . أخشى أن أثقل عليها .
قالت فارفارا فى نبرة تصالح :
الفطر لا يسبب إسهالا ولا يضر بالمعدة . أعرف ذلك عن تجربة . أولادى لم يتأذوا منه أبدا . لم تفهم فارفارا لماذا تنهدت لوسيا وانصرفت ، فسألت أخويها : ماذا بها ؟
من يعرف .
لم يعد الكلام ممكنا .
نصحها إيليا ضاحكا :
تكلمى معها بلغة أهل المدينة ، بلغة المثقفين ، وليس كذلك .
لا أعرف لغة أهل المدينة . لم أزر المدينة فى حياتى كلها إلا مرة واحدة . أما هى فأصلها من القرية وبإمكانها أن تتكلم معى بلغة أهل القرية .
لعلها نسيت .
إذا كانت قد نسيت ، فأنا لم أتعلم والآن علينا ألا ننطق ولو حتى كلمة واحدة ؟

بعد تناول الإفطار جلس إيليا وميخائيل على سلم المدخل يدخنان . صار النهار صحوا ، وارتفع الضباب والسماء إلى أعلى فأعلى ، لم يعد نظر الإنسان يتسع لكل ذلك المدى السماوى الملون ، فصار يخشى هذا العمق الجميل ويبحث عن شئ آخر أقرب ، عن شئ يمكن أن يركن إليه ويرتاح . أما الغابة التى كانت تداعبها الشمس فزهت بالخضرة وصارت أكثر اتساعا ورحابة . كانت تحيط بالقرية من ثلاث جهات ، أما الرابعة فقد تركتها للنهر . وفى الفناء كان الدجاج يصيح على مرأى من الرجلين ويضرب بأجنحته فى بساطة ورغبة . وأخذت الكتاكيت تصوصو . وبسبب الدفء والرضى راح الخنزير المخصى يزعق وهو منطرح يتمرغ بجوار السور المائل .

خرجت نينكا . انبهرت عيناها ، بعد النوم ، بضوء الشمس فغطتهما براحتى يديها وضيقتهما قليلا . بعد ذلك ، حينما اعتادت عيناها الضوء ، انسلت إلى كومة الأخشاب وجلست عليها . شاكستها دجاجة محاولة المرور من خلفها . أخذت نينكا تهش عليها ، وبدون قصد دارت وانزلقت خلف كومة الأخشاب بمؤخرتها العرية . صاح ميخائيل :
نينكا ، سأقرص لك أنفك مثل القطة . كم مرة يجب أن نقول لك ابتعدى من هنا !
اختبأت نينكا وقالت متعللة فى غضب :
الدجاج يأكل .
سوف أريك كيف يأكل الدجاج !

هدأت القرية بعد الترتيبات الصباحية : ذهب إلى العمل من كان مضرا إلى ذلك ، وانشغلت ربات البيوت الآن بعد الانتهاء من أمور الماشية بالشؤون المنزلية الهادئة غير المسموعة ، ولم يخرج بعد الصبية إلى الشارع ساد الهدوء ، ولم تكن تسمع سوى أصوات متناثرة معتادة : صياح حيوان أو صرير بوابة أو صوت إنسان يصدر بالصدفة من مكان ما لم كل ذلك للاستماع أو الرد ، بل لكى لا يحيط الفراغ والموت بالأحياء . وسيطر الهدوء ، الذى ساد فى الوقت الفاصل بين الصباح وموعد الغداء ، على الضجيج والحركة ، وتوافق الدفء الصافى المنير المنبعث من السماء المكشوفة . وراح ذلك الهدوء يسمو بالقرية دون أى صوت مزيلا عنها برودة الليل .
قال ميخائيل مأخوذا بالهدوء الساحر الرقيق :
يبدو أن أمنا كانت طيبة . تأمَّل أى يوم جاء من أجلها . مثل هذا النهار لا يمنح هكذا لمن هب ودب . رد إيليا :
لقد استقر الطقس . آى نعم .
ولكن علينا أن نرتب أمورنا ونشترى من " البيضاء " إياها طالما مازالت موجودة بالمحل . ، لأنه إذا وزعوا الأجور إذا فسوف تنفد عن آخرها ، وسنضطر للبحث عنها .
أ تقصد الفودكا ؟
طبعا . البيضاء . أما النبيذ الأحمر فلا أحترمه . وجوده أو عدمه سيان بالنسبة لى . هذا الوباء يسبب صداعا فظيعا فى الصباح ، ويترك الإنسان طوال النهار كالمصاب بالطاعون .
شعر ميخائيل بتشنج داخلى لدى الحديث عن الخمر .
فى كل الأحوال علينا شراء نبيذ للنساء .
سنشترى قليلا منه ، وهذا كاف . لِمَ الإكثار ؟ حتى النساء الآن لا يشربن منه كثيرا . إنهن يفضلن مشروبنا .
المساواة مطلوبة فى كل شئ ؟
طبعا .
ابتسما فى خبث حيث فهم كل منهما الآخر ، ولكن لم يكن لديهما متسع من الوقت لفتح حديث مسل عن المساواة ، فسكتا . قال إيليا :
كم زجاجة سنشترى ؟
هز ميخائيل كتفيه :
لا أدرى . ولكن ليس أقل من صندوق . سيجتمع نصف أهالى القرية ولا يجب أن نفضح أنفسنا ، فأمنا على أية حال لم تكن بخيلة .
لنأخذ صندوقا ، آى نعم .
وهل معك أية نقود ؟
خمسون روبلا .
وأنا سآخذ من ناديا . هذا يكفى .
وهل سنأخذ من أختينا ؟
ليس مع فارفارا شئ يمكن أخذه . أما لوسيا فسنسألها ، فهى على الأغلب تملك كثيرا من النقود لنأخذ منها ، فهى أيضا من لحمها ودمها وليست ابنة بالتبنى ، كيف يمكن تجاهلها ؟ ربما تغضب .
لم الانتظار إذن ؟ سأعثر على ناديا الآن ، ونذهب . يجب أن نشترى اليوم ، وإلا فلن يبقى لها أثر إذا وزعوا الأجور غدا . أنا أعرف الوضع عندنا : إذا تمهلت قليلا فاتتك الفرصة وستضطر لشرب الماء . كنا نستطيع الاستغناء عنها فى ظروف أخرى ، ولكن بما أن حالنا هكذا فلا داع للفضيحة . يجب أن نودع أمنا كما ينبغى فهى لم تسئ إلينا أبدا . نهض ميخائيل قبل إيليا ، وراح يتابع حديثه لنفعل كالآتى : سأذهب إلى زوجتى ، فمن الضرورى أن يكون قد تبقى لدينا بعض النقود ، أما أنت فاذهب إلى أختينا فليس من اللائق أن أطلب أنا منهما لأننى صاحب البيت . وبعدها إلى المحل . من الرائع أننا تنبهنا إلى هذا الأمر يجب أن نشترى الآن ، لن ننتظر أكثر .

خرجا مسرعين . كانا مضطربين لأنهما سيأخذان كمية كبيرة من الشراب ، كمية كبيرة لا يستطيع حملها شخص بمفرده ، ويسيران بها فى الشارع . لم يكن المحل بعيدا . وكان خاليا من الناس كعادته قبل أيام استلام الأجور . لم يطل بهما الوقت هناك . عادا يحملان صندوقا يجلجل بزجاجاته ووضعاه فى عنبر المؤونة .
قال ميخائيل :
عندما تكون مكانها لا يوجد أى سبب للقلق . لتبق ، فلن يصيبها شئ هنا . أما البورتفين فيمكن شراؤه فى أى وقت ، فلا يوجد عيه طلبا كثيرا .

فجأة تردد من داخل البيت صراخ نينكا . فتح ميخائيل الباب وهو ينوى نهرها . زلكنه رأى النساء الثلاث قد أحطن بها ، فأرهف السمع .
هى بنفسها قالت نينكا فى صوت ممطوط .
ماذا نفسها ؟ ماذا هزت لوسيا الفتاة .
لست أنا . هى نفسها …
ماذا فعلت هى ؟ تكلمى ، أ لم تتعلمى الكلام ؟
هى ، فتحت عينيها ورأتنى …
وماذا أيضا ؟
رأتنى قلدتها ناديا ولماذا رأتك ؟ عما كنتِ تبحثين فى حقيبتها ؟ من سمح لكِ ؟ ماذا كنتِ تريدين منها ؟
صرخت نينكا :
هى التى أشارت لى أن أفعل . أنتِ لم ترى فلا تقولى شيئا .
سأريك كيف تتحدثين إلى أمك . ما هذه الموضة ؟ ممن تعلمتِ ذلك ؟
انتظرى يا ناديا أسكتتها لوسيا ، وانحنت ثانية نحو نينكا إلامَ أشارت ؟
إلامَ … إلامَ … إلى ما تحت السرير .
قالت ناديا موضحة :
العجوز تحتفظ لها بكراميللا فى الحقيبة .
تابعت لوسيا أسئلتها :
وكيف أشارت لكِ ؟ كيف حدث ذلك ؟ هه !
نظرتُ إليها ولكنها لم تتطلع إلىَّ ، بعدها فتحتْ عينيها ونظرت إلىَّ ، ثم أشارت .
أ لم تقل لكِ شيئا ؟
لم تقل .
تنهدت فارفارا فى أسى :
أوه … أوه … ماذا سيحدث ؟
هنا تدخل ميخائيل مدافعا عن نينكا :
هى ليست خبيثة ، لم ألحظ عليها ذلك أبدا . ربما اعترت أمنا صحوة الموت وكانت نينكا قربها فى تلك اللحظة .

أثار ذكر الموت حذرهم وجعلهم يهدؤون لدرجة أنهم راحوا يتنفسون فى خوف وكأن الهواء قد أصبح مسموما بعفونة حادة لا يجوز أن يسمح الإنسان لها بالتسرب إلى داخله . بعدها اقتربوا فى هدوء من سرير العجوز محاولين العثور على أى تغيير يكون قد حدث للعجوز : لم يجدوا شيئا سوى أن الضوء ، الذى أصبح أكثر سطوعا مما كان عليه فى الصباح ، جعل وجه العجوز يبدو أقرب إلى الموت . ولكن قلبها كان ما يزال يخفق كما فى السابق حائلا دون ابتعادها عن الأحياء .

خرج ميخائيل إلى الفناء حيث كان إيليا يتسلى طوال الوقا بتفتيت الخبز للدجاج . قال له :
نينكا تقول أن أمنا فتحت عينيها .
دُهِش إيليا قائلا وهو يطرد ديكا بحركة من قدمه :
هكذا إذن … ماذا بها ؟
لا أدرى ؟
ألا تزال حية ؟
حية . لقد تأكدنا ؟

ظل النهار على حاله وكأنما عن قصد من أجل العجوز بالذات كان طريا ولطيفا وقد تلألأ فوق القرية كلها ، وفوق بيت العجوز أيضا . اقترب موعد الغداء ، ومر النهار بهدوء وسلام ولم يعكره شئ ، وكأنه يحرص على عدم إزعاج شخص ما . راحت السماء منذ الصباح تقترب من الأرض ، بدت مترددة وكأنها على انتظار . أيام سبتمبر أيضا لم تكون ساذجة ، فقد خبرت الكثير من أيام الربيع . ويبدو أن هذا النهار كان قد عرف كل شئ وأراد أن يساعد العجوز كى لا تبقى مدة أطول فى مكانها الصعب ، الأخير كل ما كان عليه : أن يحركها خفية إلى الأمام أو إلى الخلف ، أن يدفعها قليلا عن المكان الذى جمدت فيه .

لم يعرف ميخائيل وإيليا بماذا يمكن أن يشغلا نفسيهما بعد أن أحضرا صندوق الفودكا : كل شئ عدا ذلك بدا لهما غير مهم ، بل ومثير للضجر ، فكان وقع كل دقيقة عليهما ثقيلا . تحدثا عن سبب تأخر تاتيانا ، وعن أنها كانت تستطيع الوصول عشر مرات حتى الآن . سأل إيليا ميخائيل متى عليه أن يذهب إلى العمل ، فأجاب ميخائيل بأنه طلب إجازة من أجل هذه الأيام خرجت الكلمات تافهة ، دون أدنى حاجة لها ، ولم يعد من الممكن متابعة الحديث . أدرك الأخوان أن ليس عليهما سوى الانتظار ، ولكن للانتظار أشكال مختلفة . وتدريجيا تطرق إليهما القلق ، هل هما ينتظران كما يجب حقا ، ولا يضيعان الوقت عبثا . إن حالة الأم التى تحتضر لم تغب عنهما ، ولكنها لم تعذبهما بشدة : لقد\ فعلا كل ما عليهما بلغ أحدهما الآخر ، وها هو الآخر قد وصل . وها هما أيضا قد أحضرا الفودكا معا والباقى كله متوقف على الأم نفسها أو على أى أحد آخر ، ولكن ليس عليهما هل عليهما أن يحفرا قبرا لإنسان لم يمت بعد ! دائما كان لديهما عمل ، وفجأة أصبحا بدونه ، فليس من اللائق القيام بأى عمل آخر قبيل وقوع المصيبة القريبة ، ولكن المصيبة نفسها لا تأتى .

بدأ ميخائيل الحديث ثانية :
قل لى ، كنا نعرف أنها لن تعمر إلى الأبد ، وأن الموعد قد اقترب . كان علينا أن نتعود ذلك الشعور ، ولكننى مع ذلك لستُ مرتاحا .
قال إيليا فى تأكيد :
وكيف يكون غير ذلك . إنها أم .
أم … هذا صحيح . ليس لدينا أب ، وستذهب أمنا الآن وينتهى كل شئ . سنبقى وحيدين . لسنا صغارا ، ولكننا وحيدون . منذ زمن بعيد لم يعد هناك أمل فى أمنا . كنا نعرف أن دورها هو الأول ، ثم يحل دورنا . كانت كأنها تحمينا ولم يكن هناك سبب للخوف ، أما الآن فعلينا أن نعيش ونفكر .
ولم التفكير فى ذلك ؟ ما الفرق إن فكرنا أو لا …
لا داعى للتفكير ، ولكننا نفعل ذلك مرغمين ، كأننا خرجنا إلى مكان مكشوف وأصبحنا عرضة للأنظار . أدار ميخائيل رأسه الأجعد وصمت قليلا ، ثم تابع والحال نفسه ينسحب على أولادنا . حينما تكون جدتهم حية يبقون صغارا ، أما أنت فتبقى شابا . والآن ، عندما تموت العجوز ، يبدأ الأولاد فى الحال بدفعك إلى الأمام . فهم كالوباء يكبرون ولا يمكن إيقافهم .

بمجرد انتهاء ميخائيل من كلامه حتى اندفعت ناديا مهرولة ، ودعت الرجلين بصوت واجف :
يارجال ، تعالا بسرعة . بسرعة .
ماذا جرى ؟
الأم …
وما إن اقتربا حتى غابت العجوز ثانية عن الوعى ، ولكنها قبل ذلك نطقت فجأة بكلمة دون أن يفهما أحد . وحينما اقتربت لوسيا وفارفارا منها كانت ما تزال تنظر إلى الأمام ، ولكن كانت عيناها تنغلقان . كان شئ ما يجرى بداخلها رغم أن لم تتحرك بعد ذلك . شئ ما بدأ يدور فى داخلها كان يبدو أن العجوز على وشك التحرك من المكان الذى راوحت فيه حتى أن وجهها قد تغير : أصبح أكثر تعبيرا ، وبدت عليه بوادر الشجاعة . ومن هناك ، من أعماقه ، راح يرتجف بفعل القوة القليلة الباقية ، فبدت وكأنها تغمز بعينين مغلقتين .

وقفوا حول الأم . راحوا ينظرون إليها بخوف دون أن يعرفوا بماذا يمكن أن يفكروا أو على أى شئ يعلقون آمالهم . لم يكن ذلك الخوف يشبه أبدا ما صادفهم خلال حياتهم بالمدينة أو القرية ، لأنه كان أشد وقعا وفظاعة ، ولأنه كان صادرا عن الموت بدا الآن أنه لاحظهم جميعا ، نظر إلى وجوههم ولن ينساها أبدا . وكانت رؤية ما يجرى أمر مرعب : لعل ذلك ما سوف يحدث لهم أيضا فى وقت ما . كانوا يرونه هو نفسه ، ولم تكن لديهم الرغبة فى رؤيته حتى لا يبقى عالقا فى ذاكرتهم إلى الأبد . ورغم ذلك لم يتمكنوا من الابتعاد أو الإعراض عنه . لم يكن الابتعاد ممكنا ، لأنه كان مشغولا بأمهم ، وربما أغضبه ذلك . لم يكن أحد يريد إثارة انتباهه إلى نفسه ، وهكذا وقفوا بلا حراك .

بدا شئ ما ينبض فى عينى العجوز ويحركهما . لم تفتحهما فى الحال أو بسهولة ، ولكنهما انفتحتا . حاولتا استيعاب الضوء ولكن دون جدوى . فجمدتا . سرى فيهما الهدوء عدة دقائق ، ثم تحركتا من جديد وانفتحتا بقوة أكبر هذه المرة . ومن خلال الوميض الأبيض الشاحب المتبقى فيهما تمكنتا من الرؤية . وكان كل ما رأته أيضا شاحبا وخابيا مثل الخيال . فظهر على وجه العجوز تعبير من الأسف والألم . حاولت طرده برفة من عينيها ولكنها عجزت . ولعل ذلك كان برغبة منها ، لكن الشئ الذى تراءى للعجوز لم يتركها ، بل حثها على التأكيد يبدو أن الذكريات عادت إليها ، فتذكرت أنها كانت تعيش ، وأرادت أن تعرف أين هى الآن ، وهل هى فى كامل وعيها . وَسَّعَت من فتحة جفنيها بعد أن تمكنت من التحكم فيهما ، ونظرت لا ، لم يتركوها وحيدة ، لقد رأتهم بقربها وعرفتهم لم تقدر على تقبل ذلك بصمت ، فخرجت من صدرها أصوات جافة واهنة تشبه الفحيح .

تأوهت فارفارا وضربت كفا بكف ، ثم رفعت يديها إلى حلقها لتكتم صرخة .

سكنت العجوز وكأنها استنفدت كل ما فيها من حياة متبقية . ارتخى الجفنان ، ولكن تنفسها كان قويا لدرجة أن جسدها كان يهتز . هدأت الأنفاس ، ولكنها لم تنقطع . وصار واضحا كيف كانت تتحرك البطانية فوق جسد العجوز .

راحوا ينتظرون وهم يشعرون جيدا أنهم أبناء وبنات العجوز ، واعتراهم شعور بالأسف عليها ، وبأسف أشد على أنفسهم لأنها ستترك لهم بعد موتها حزنا لن يزول بسرعة . انتاب كل منهم على طريقته إحساس غير مسبوق من الرضى والألم عن نفسه ، لأنه قرب أمه فى ساعاتها الأخيرة كما يليق بالابن أو البنت ، وبذلك استحق غفرانها غفران آخر لا يشبه الغفران البشرى ، ليس له علاقة بالأم ، ولكنه ضرورى للحياة . كان ذلك مزيج من الخوف والألم . وأشد ما أخافهم وهم يرقبون احتضار الأم الطويل ، إدراكهم أن الناس يجب ألا يشاهدوا ما شاهدوه . ودون أن يصدقوا أنفسهم أخذوا يتمنون أن ينتهى كل شئ بسرعة .

ولكن العجوز ما زالت تتنفس .

لم يعد إيليا يحتمل ، فهمس لميخائيل ، وفجأة فتحت العجوز عينيها من جديد وكأنها استجابت للهمس . لم تغمضهما هذه المرة ، وإنما حدقت أمامها . أرادت البكاء ، ولكنها لم تستطع : جفت دموعها . هرولت فارفارا لمساعدتها . ناحت بسهولة وبصوت مرتفع ، ففعلت هذه المساعدة فعلها فى العجوز ، وحالت دون غيابها عن الوعى : فارقتها الكلمات ولكنها تذكرت الكلمات التى كانت أقرب إلى نفسها ، تلك التى كانت دوما على لسانها .
لو سيا ، إيليا ، فار فا را . نطقت اسماءهم بكثير من الجهد .
راحت لوسيا تشد من عزيمتها : نحن هنا يا ماما . اطمئنى ، نحن هنا .
عادت فارفارا إلى النحيب : أمى ى ! …

وثقت العجوز بنفسها وبالأصوات . هدأت واطمأنت وهى تحت تأثير فرحها وألمها الأخيرين . نظرت إليهم ، وبدت كأنها تغوص أعمق فأعمق . وفجأة أوقفتها قوة ما خفية ، فعادت إلى وعيها . ازدادت تجعدات وجهها ، وراحت عيناها تبحثان عن شخص ما . كان بكاء فارفارا يزعجها ، فتنبهوا إلى إيقافها .
تانشورا نطقت العجوز الاسم فى توسل .
تبادلوا النظرات ، وتنبهوا إلى أن الأم كانت تدعو تاتيانا بهذا الاسم .
ردوا فى صوت واحد :
لم تصل بعد .
ستصل قريبا .
إنها على وشك الوصول .

فهمت العجوز ، وأحنت رأسها قليلا . ارتسم تعبير من الراحة والطمأنينة على وجهها ، وانغلقت عيناها ، وسرعان ما غابت عن الوعى مرة أخرى .

انفضوا كان من الضرورى أن يستريحوا قليلا . لم يبق قرب العجوز سوى فارفارا ، التى راحت تبكى بصوت منخفض . لم يكن بكاؤها يزعج أحدا ، ولو إنها كفت عنه ، لشعروا بالقلق .

( 3 )

هل حدثت معجزة ؟ لا أحد يستطيع القول . فما إن رأت العجوز أولادها حتى مالت إلى التحسن . غابت عن الوعى مرتين أو ثلاث وكأنها تنحدر بشكل غير ملحوظ إلى هوة مظلمة من تحتها . وفى كل مرة كانت تعود إلى وعيها بأنين ملئ بالخوف وتفتح عينيها : أ هم هنا ، أم إنهم تراؤوا لها ؟ وفى كل مرة كان أحدهم بقربها فيخف لدعوة الآخرين كانت تتعرف عليهم فتطمئن وتحاول البكاء . وفى آخر مرة استطاعت أن تبكى ، وسمعت بنفسها صوتها الواهن الذى بدا وكأنه يصر على البقاء بداخلها ، ولذا خرج بمثل هذا العذاب …

شيئا فشيئا تحسنت حالة العجوز ، عاد إليها تدريجيا كل ما كان فيها ، وكل ما كان يجب أن يخضع لها . راح كل شئ يظهر وراء بعضه البعض كما لو كانت كل تلك الأمور ضرورية لإعادة الحياة إليها . قبيل المساء تحسنت حالتها لدرجة أنها دعت ناديا وطلبت منها :
لو تطبخين لى عصيدة … من تلك التى تطبخين منها لنينكا . عصيدة جريش ، سائلة .
تقصدين عصيدة سميد ؟
آ آ . سميد . أريد قليلا منها لأبل حلقى . وأن تكون سائلة .

هرع الجميع وانشغلوا بالأمر . ولحسن الحظ كان عند ناديا بعض السميد ، ولكن الموقد كان قد برد تماما حتى تلك الفترة التى أعقبت الغداء ، فقرروا طبخ العصيدة على الموقد الكهربائى . بحثوا عنه طويلا ، ووجدوه أخيرا ، ولكن تبين أن الكهرباء ما زالت مقطوعة . أرسلوا ميخائيل لإشعال الموقد الحجرى فى الفناء . اختلفت لوسيا وفارفارا حول الوعاء الأفضل لطبخ العصيدة . فارفارا كانت على استعداد لإطعام الأم طنجرة وعاء كاملا دفعة واحدة . أما لوسيا فأصرت على عدم إطعامها كثيرا ، لأن ذلك يضر بها ، ومن الأفضل الطبخ مرة ثانية فيما بعد . بقى إيليا قرب ميخائيل يتبادل الحديث معه :
أ رأيت ؟ أمنا هه ؟
رد ميخائيل مؤيدا : نعن ، لا يمكن وضع أمنا بتلك السهولة فى التابوت .
تقول : أريد عصيدة آى نعم . أ رأيت ؟ أنا لا أصدق ، كنتُ أعتقد أنها النهاية . ولكنها تقول : أريد أن تطبخوا لى عصيدة أريد عصيدة . هذا يعنى أنها جاعت ، أ رأيت !
العجائز عادة ما يعمرن طويلا . كلما كانت العجوز هرمة ، عمرت أطول . لا حظ ذلك . إنها تفنى تماما ولم يعد يبقى فيها موضع تتعلق به الروح ، ومع ذلك فلا تزال تتحرك . من أين يصدر كل ذلك .
أصر إيليا على رأيه وهو ما زال تحت تأثير الدهشة :
ولكن أمنا آه ، أمنا ! من كان يمكنه أن يخمن ! نحن نحضر الفودكا من أجل تأبينها ، وهى تقول : " انتظروا يا بناتى ويا أبنائى الطيبين ، أنا لم أشبع بعد من العصيدة " أطلق ضحكة ، وكرر : " لم أشبع من العصيدة ، وبدون العصيدة لا أعرف شيئا " .
رد ميخائيل فى تحفظ :
لقد أصابها الضعف والهزال . هذا طبيعى : منذ أيام لم تذق شيئا . هذا يصيب أى إنسان بالضعف .

أسرعت النساء بالأوعية والزجاجات ، وانهمكن حول الموقد وكأنهن يردن بأيديهن الست طبخ أكلة غريبة لا يعلم بها إلا الله ، وليس مجرد عصيدة سميد عادية فى وعاء صغير . اندست نينكا بين الأرجل ، فراحت ناديا تطردها ولكنها لم تستطع إبعادها بأية طريقة : أدركت نينكا أن شيئا هاما وغير عادى قد حدث ، وخافت أن تتخلف عما سيأتى بعده . أما فارفارا فقد غرقت تماما فى عرقها ، كانت طوال الوقت تركض بين العجوز والموقد ممسكة بطنها بيدها مثل الحبلى وهى تخفف عن أمها :
اصبرى يا أمى ، احتملى ، سنطهو العصيدة حالا .

قدمت لوسيا العصيدة للعجوز دون ترك القدح خشية أن تسكبه الأم على نفسها . شربت العجوز جرعات صغيرة حذرة : كانت ترشف جرعتين ثم تستريح ، ثم ترشف مرة أخرى وتستريح . لم تشرب أكثر من طفل رضيع ، وارتدت إلى الوراء فى إرهاق . أشارت بيدها كى يبعدوا القدح عنها ، وبقيت طويلا تحاول استعادة أنفاسها .
أوه ، لقد اختنقتُ تماما . هذا أشد إرهاقا من العمل . لقد انعقدت أحشائى تماما ، فكيف السبيل إلى حلها ؟
قالت لوسيا :
لا عليك يا ماما ، لا عليك ، هذا أمر عادى . لا يجوز الآن إرهاق المعدة خوفا من المضاعفات . لتهضم أولا ما تناولتْ ، وبعدها يمكن تناول المزيد .
كررت العجوز فى سرور ومرارة :
انعقدت أحشائى تماما ثم أضافت : يا آنَّا ستيبانَّا ، نذهب إلى بيت جديد ، نذهب حاملين الجوز كانت تحاول استرداد أنفاسها وتتطلع بعينين تائهتين إلى أعلى مما جعلها تبدو وكأنها تهذى أما أنا فقليلة الحياء ، كنتُ أخدعها وأجعلها دوما فى المؤخرة ، والآن أهزأ بها وأدس فيها العصيدة ، ولكن هل ستتحمل ، كان علىَّ أن أفكر بذلك .
اضطربت أنفاسها وانتابها السعال ، فبادرتها لوسيا قائلة :
لا داعى أن تكثرى من الكلام يا ماما ، فأنت ما تزالين ضعيفة .
وهل علىَّ أن أصمت ؟ ردت العجوز فى لهفة أرى أولادى من حولى بعد طول غياب ، وعلىَّ أن أبقى صامتة كان الجميع هنا من حولها . شملت العجوز أولادها بنظرة تائهة ، ولكنها كانت على أية حال نظرة فخر وكبرياء ، ثم واصلت حديثها بهدوء مدخرة قواها : شعرتُ وكأن أحدا لكزنى فى خاصرتى منبها إياى إلى أن أبنائى قد وصلوا . فعزمتُ على رؤيتهم أولا ، وبعدها فليكن الموت . أنا لستُ فى حاجة لآى شئ آخر .

كانت تتحدث بصعوبة شديدة ، وتضطر إلى الصمت . لكن فرحتها برؤية أولادها لم تكن تسمح لها بالراحة كان وجهها ينتفض وتسيطر الرعشة على أطرافها وصدرها ، وتتقطع الكلمات فى حلقها . وكان الجميع حول الأم ملتزمين الصمت حتى لا يرهقوها بالرد عليهم ، وحرصا منهم على راحتها . حاولت العجوز البكاء أكثر من مرة . نظرتْ إليهم فى عصبية ونفاذ صبر ورأسها الصغير يرتجف وهى تنقل عينيها من وجه إلى آخر . عرفتهم جميعا : إيليا ، فارفارا ، لوسيا . كانت تميزهم بصعوبة ، ربما بسبب الدموع . لم تتمكن من رؤيتهم بوضوح ، ولعل ذلك ما ضاعف ضيقها من نفسها . وفجأة عاد إليها الشك فى أن ما تراه ليس حقيقة ربما حلم أو خيال ، وربما ذكريات أخيرة من الحياة التى عاشتها ولهذا يقف ذلك الحاجز الضبابى أمام عينيها .

هدأت العجوز وكفت عن الحركة فى محاولة لفهم ما يجرى .

كانت الغرفة ممتلئة بضوء خفيف لذلك النهار الصافى الذى قارب على الانتهاء . العجوز راقدة ورأسها نحو النافذة وأشعة الشمس تسقط على ساقيها . بدأ الجدار المقابل يفقد تدريجيا ما ادخره من حرارة الشمس التى أصبحت وكأنها تمسها من الطرف الآخر . الآن فقط رأت العجوز الشمس وفرحت حين عرفتها . شعرت العجوز ، بعد النوبات الطويلة من الظلام وفقدان الوعى ، بالدفء يتسرب إلى جسدها من خلال أنفاس بطيئة متأنية ، وراح يدفع الدماء فى عروقها . لم يكن حلما : فالشمس فى الأحلام لا تدفىء ، والصقيع لا يبعث على البرد . رن فى أذنى العجوز لحن جرس عذب بإيقاع هادئ وممتد ، وسرعان ما تلاشى كما ظهر فجأة . حاولت العجوز أن تعرف مصدره ، وقررت أنها كانت تحتفظ به منذ صباها ، فهى غالبا ما كانت تسمعه آنذاك ، ومن ثم حفظته ذاكرتها طوال الحياة . لم يكن بإمكانه أن يخدعها ، كان لحنا حيا . ودمدمت العجوز :
يا إلهى ، يا إلهى .

استجمعت العجوز قواها ، ورفعت عينيها . كانوا بجوارها فى وضعهم السابق ، إلا إنه خيِّل إلى العجوز أنهم صاروا أكثر قربا . الآن تراهم بوضوح .

فى طرف الغرفة ، قرب الباب وقفت ناديا مثل الغريبة وإلى جوارها إيليا .

لم تستطع العجوز أن تعتاد على إيليا منذ زيارته السابقة لها ، حينما عرج على البيت فى طريق عودته من الشمال . كان وجهه إلى جانب رأسه الأصلع يبدو غير حقيقى ، أقرب إلى وجه مرسوم ، وكأن إيليا باع وجهه أو خسره فى لعبة ورق مع رجل غريب . كان قد تغير تماما ، أصبح أكثر حركة رغم أن عمره يفرض عليه أن يتحول إلى الهدوء والقار يبدو أن المكان الذى عاش فيه ، كان يختلف كثيرا عن قريته مما أثر على إيليا .

نظرت العجوز إليه طويلا إلى درجة الحرج . بحثت فيه عن ابنها الذى ولدته وربته واحتفظت به فى ذاكرتها ، وكانت ما إن تجده حتى تفقده مرة أخرى . كان موجودا ، ولكنه بعيد . كم أصبح بدينا ، وكم رافقه فى دربه من إناس وهو بعيد عنها . لم تكن قادرة على أن تصدق ، أو لا تصدق ، أن هذا الشخص هو إيليا . بدا لها أن إيليا أشبه بسمكة صغيرة ابتلعتها سمكة أكبر منها وأكثر حركة وهما الآن تعيشان فى جسد واحد . إذا ناداه أحد ربما لا يرد فى الحال ، يبدأ فى تحريك رأسه باتجاهات مختلفة حتى يتأكد هل هو المقصود أو غيره ، ومن يناديه ، ومن أين . كانت العجوز واثقة بأن حياة إيليا لم تصبح أفضل فى المكان الذى سافر إليه . كان من الأفضل أن يبقى فى القرية … أما بخصوص لوسيا ، فالتفكير فى أن حياتها تشبه حياة إيليا غير وارد أبدا . لقد تمدنت من رأسها حتى أخمص قدميها حتى إنها تبدو وقد وُلِدَتْ من العجوز عن طريق الخطأ ، ولعله كان من المفروض أن تولد من أمرأة ما أخرى من المدينة ، ولكنها على أية حال غادرت القرية ووجدت الحياة التى تناسبها . إيليا أمره يختلف ، لم يكن يشبه القرويين ، ولا أبناء المدن أيضا . لم يكن غريبا أو قريبا . كان له وجه مرح ، ولكن العجوز كان ترثى لحاله عندما تنظر إليه ، ولكن لماذا ؟ : ذلك ما كانت تجهله ولا تعرف سببه .

كان وجه إيليا ، فى الواقع ، مرحا . فهو لم يتمكن من التغلب على الدهشة لكون أمه ما زالت حية ، وهذا ما جعله يضحك بارتياح على نفسه ، وعلى ميخائيل ، وعلى أختيه : " أ رأيتم ماذا فعلت بنا ، أ رأيتم ؟! يا لها من أم ، عفارم عليها ! " قبل الغداء كان الجميع متأكدين من أن العجوز تعانى سكرات الموت ، ولكنها عانت لكى تعيش . كان إيليا يضحك من نفسه أكثر من ضحكه من الآخرين . فهو بالأمس عندما استأذن من العمل ، أخبرهم فى الجراج : بأنه مسافر لدفن أمه ، ولم يكن يشك فى ذلك . فماذا سيقول لزملائه الآن ؟ حيلة ليس إلا . كان إيليا على استعداد لتصديق أن الأم قد احتالت ، وتظاهرت بأنها تحتضر لكى تجمعهم حولها . ورغم أنه كان يعرف أن ذلك مجرد هراء اخترعه هو نفسه ، إلا إنه لم يتعجل فى التخلص منه ، بل راح يردده بينه وبين نفسه ويعبث به ويلاعبه لعبه القط والفأر . وكون العجوز قد طلبت بنفسها عصيدة ، وراحت تتعلم أكلها مرة أخرى مثل الطفل الصغير ، جعل إيليا يشعر بالفرح إلى حد الفخر . فأخذ ينظر إلى الأم باهتمام ويتساءل : " ماذا ستخترع أيضا ؟ "

أرادت العجوز أن تريح عينيها ، لكن نظرها وقع على فارفارا الجالسة عند قدميها . اشرأبت فارفارا بسرعة للقاء نظرات الأم . " أمى ى ! هذه أنا . ابنتك الكبرى . جئتُ لرؤيتك ، ولكنك لا تنظرين إلىَّ " ، هكذا كانت فارفارا تندب بالأمس . والآن ها هى الأم تنظر إلى ابنتها الكبرى ، وتتحقق رغبة فارفارا . رأتها ، تحرك وجه العجوز ، هزت رأسها ببطء وتنفست ، ثم أحنت رأسها كأنها تبارك فارفارا وتتمنى لها شيخوخة هادئة كآخر سعادة يمكن أن تتحقق لها ، ولكنها تنهدت لأنها كانت تعرف أنها لن تحصل على ما تفكر لها فيه . كادت العجوز لا تمسك نفسها عن البكاء وهى تنظر إلى ابنتها . إنها لا تريد شيئا لنفسها . لقد تركت كل شئ وراءها : النجاح والفشل ، أما فارفارا فسوف تعيش ، ويا ليتها تعيش حياة خالية من العذاب والقلق .

لم تهمل العجوز ميخائيل رغم أنها تذكره أكثر من نفسها . تريد أن ترى كيف يبدو إلى جوارهم ، بين الجميع ، وليس وحده . كثيرا ما كانت تتذكر قول العجائز : " الابن الأول للرب ، والثانى للقيصر ، والثالث للنفس " ولقد أعطت الكثير للرب وللقيصر أكثر من المطلوب . وإذا ما أحصت ذلك الآن فلن تكف عن البكاء . والأحياء أيضا ، ما إن كبروا وأصبحوا قادرين على العمل حتى ابتعدوا واحدا تلو الآخر ، وكأن أحد ما انتزعهم ، مثل الجراء الصغيرة ، من أمهم وسلمهم لأيد غريبة . لم يبق سوى ميخائيل . وكان يحق للعجوز تماما أن تقول إنها ولدته من أجلها لكى تعيش حياتها إلى النهاية فى بيت الأسرة العتيق ، لأنها لم تكن تتصور كيف يمكن لها أن تعيش فى مكان آخر . كانت لا تعتبر ميخائيل أفضل من الآخرين لا ، هذا هو مصيرها : تعيش عنده وتنتظرهم كل صيف ، تنتظر وتنتظر …

إذا لم تُحْتَسَب السنوات الثلاث التى أمضاها فى الجيش ، يتضح أن ميخائيل طوال حياته بجوار الأم . تزوج وصار رجلا ، ثم أبا ، ومثل كل الرجال صار كهلا ، وأمام أنظارها راح يقترب شيئا فشيئا من الشيخوخة . لقد ألِفَته وتحملته ، وكل ما طرأ عليه من تغير لم يكن ملحوظا لها . بالأمس كان ميخائيل ، واليوم لا يزال كما هو ميخائيل . أما إيليا فأمره يختلف : سافر إلى الشمال والشعر يغطى رأسه ، وعاد من هناك أصلعا هذا واضح حتى للأعمى . وحتى فارفارا التى لم تنقطع عن زيارة البيت كل شهر ، كانت الأم تجد فيها تغيرا : ازدادت سمنة ، وأصبحت تلهث وتتباكى كالعجائز بمناسبة وبدون مناسبة ، وبدأ الشيب يخط رأسها . بدا أن إيليا ولوسيا وفارفارا وتانشورا قد سافروا بعيدا كى تلاحظ الأم فيما بعد كيف تغيروا ، وكانوا بزياراتهم يحملون إليها ذكرى عزيزة من الماضى ، وعن السنوات التى انقضت : منذ آخر لقاء تعود لتحسب كم مرت من السنوات ، وكم ، وكم … ومع كل عودة ، كانت العجوز تتذكر كم من السنوات مرت من عمرها . وهكذا كانت تكبر بالسنين التى يعيشونها هم ، وليس بسنين حياتها . أما هى فكانت تعيش ، ولا تزال ، فى مكان واحد دون أن تلاحظ ذلك حتى يحين أجلها . ولكن هل كان بإمكانها أن تفكر فى ذلك ؟ كانت دائما تنتظرهم حتى تكاد تختنق من طول الانتظار ، خاصة حينما أصبحت طريحة الفراش . أما هم فأصبحوا نادرا ما يأتون فى الفترة الأخيرة . لكل منهم أسرته ، ولكل حياته الخاصة . لم يعودوا صغارا ، والسنوات الآن لم تعد تدللهم بل صارت تقسو عليهم . أدركت العجوز ذلك .

نظرت إلى لوسيا وسرعان ما حولت عينيها عنها . بعد ذلك أخذت تنظر إليها خلسة وبحذر وكأنها تتجسس عليها . كانت تشعر بالخجل من نفسها أمام لوسيا لأنها عجوز ضعيفة لا قامة لها ولا وجه . وكان يخيل إليها أن الابنة من الضرورى أيضا تخجل منها فهى جميلة متعلمة ، بل وحتى تتحدث ليس كما يتحدثون هنا : الكلمات هى نفسها ، ولكن من أجل فهمها لابد من التركيز جيدا . ولديها لكل سؤال جواب : حيث سافرت كثيرا ورأت ما يكفى لعشرة أشخاص . فماذا رأت العجوز فى حياتها ؟ النهار والليل ، العمل والنوم . كانت تدور مثل سنجاب فى ماكينة ، وكل من عاش إلى جوارها كان يدور أيضا على هذا الحال معتقدا أن ذلك ما يجب أن يكون . كان للوسيا حياة أخرى ، غير مفهومة ، مجهولة بالنسبة للعجوز يجرى فيها الكثير بطريقة جديدة ، ولعل الموت أيضا يحدث فيها بطريقة أخرى مختلفة ، فالعجوز لا تعرف . لقد أصبح الوقت متأخرا حتى تغير عاداتها . ستموت كيفما كان ، وستبكى وقتما تريد كبقية العجائز . ولكن العجوز حرصت على أن تتماسك أمام لوسيا كلا لا تقول أو تفعل شيئا زائدا قد يغضب الابنة .

كانت تنظر إليهم وتتأملهم بنهم وعجلة واستحياء ، إلا إنها لم تكن تشبع قط من رؤيتهم .
قالت لوسيا :
اهدئى يا ماما اهدئى واستريحى .
رفعت العجوز يديها إلى وجهها وقالت وهى تخفى دموعها :
لقد جئتم .
فأجابها إيليا بحماس :
جئنا يا أمى ، جئنا . كل شئ على ما يرام …
ارتعشت فارفارا وقاطعته بهمس حاد :
لا تصرخ هكذا بشدة ، ألا ترى ؟
هدأت العجوز وكررت فى نفسها :
أتيتم . بعد طول انتظار قالت هذه الكلمات بصوت صادق يريح النفس ، ويشبه ذلك الصوت الذى يتحدث به اثنان تخطيا سن الشباب ويعرفان بعضهما البعض منذ سنوات طويلة . كفت الأم عن الكلام ، ولكنها بقيت متيقظة . ودون أن تغلق عينيها أو تغير من صوتها ، واصلت :
صحوتُ ولكننى لا أستطيع أن أفهم شيئا ، أ هذه أنا أم إنسان آخر ، لم أشعر بنفسى إطلاقا ، لا بساقى ولا بيدى . بقيت الروح وحدها ، ولكنها تائهة . اعتقدتُ إننى متُ بدليل الظلام الذى يحيط بى . الحمد لله ، لقد انتهى عذابى ، وما إن فكرتُ هكذا حتى رأيتُ الضوء ، كما فى النهار . انفتحت عيناى وحدهما دون أن أدرى فتحت العجوز عينيها ودون أن تنظر إلى أحد منحتهما فرصة لتعود الشمس . كان الضوء يزداد . تساءلتُ من يشاكسنى بهذا اليوم المشمس اللطيف ؟ رأيتكم ولم أصدق . وهل كنتُ آمل فى ذلك ؟ كلكم هنا ما عدا تانشورا … تساءلتُ أيضا وأنا راقدة : " يبدو أن الإنسان لن يحرم بعد الموت من آخر فرحة ، أن يرى ماذا ترك فى الأرض بعد موته ويطمئن على وجود من قلق على مصيرهم طوال حياته " .
هز إيليا رأسه وقال فى مرح ودهشة :
نعم ، عفارم عليكِ يا أمنا . كنتِ منذ فترة قصيرة غير قادرة على النطق بكلمة واحدة ، وها أنتِ تتحدثين وكأنك تقرئين فى كتاب مفتوح .
علَّقتْ لوسيا منبهة ، ولكن دون ثقتها المعتادة ، وكأنها تخشى شيئا ما :
حقيقة ، لا تكثير من الكلام يا ماما . هذا يضر بك .
لا ، دعيها تتكلم إذا كانت قادرة . إنما أردتُ القول أنها أتقنت الأمر بسرعة ، كما فى الحواديت آى نعم .
أوضحت العجوز ببساطة :
هذا كله بسببكم ، بسببكم أنتم . كنتُ فى ذلك العالم هناك ، هناك ، أنا أعرف ، وأتيتم أنتم فجئتُ إليكم كان صوتها يمتد كخيط رفيع متقطع يتبدد تارة ، وتارة يعود فى وضوح ساعدنى الرب ، منحنى القوة لكى أكون شبيهة بالإنسان حتى لا تخافوا منى كثيرا ، وحتى تجلسوا بقربى .
تفكرين بشكل رائع يا أمى !
كيف لا تستعيد الأم قوتها بين أبنائها ؟ ولاسيما إذا لم تكن قد رأتهم منذ زمن بعيد … أريد التحدث إليكم قبل الرحيل . أنا أنتزع من يدىَّ وقدمىَّ آخر ما عندهما حتى أعطى للصوت . ولكنه يخرج وحده بدون مساعدتى . أنا أبدأ فقط ، وهو يستمر بعد ذلك إلى أن يتعب . البداية فقط هى التى تكون صعبة ، مثل تسلق منحدر حيث اللهاث وضيق النفس … تمهلوا … الآن … الآن … انتظروا .

ارتاحت العجوز وهى تنظر طويلا إلى الجدار حيث تقف الشمس : صارت أرق وأوضح بعد وهج النهار . وتدريجيا ظهرت على وجه العجوز ملامح عميقة واضحة لذلك السكون الذى يضفيه المساء على المسنين أكثر من غيرهم . وبدا أنها نسيت نفسها وأولادها ، ولم تعد تشعر بشئ حتى بأنفاسها ، ومع ذلك كانت تتنفس بقوة خارجة عنها . لم تكن ترى شيئا سوى أشعة الشمس على الجدار ، وحتى هذه البقعة كبرت وامتدت لتصل إلى عينيها المفتوحتين ولا تفلتهما من تحت سيطرتها كانت ما تزال حية رغم كل شئ ، تعيش بشكل أوضح وأشد انتباها من السابق ، لم تكن تجهد نفسها من أجل الحياة وإنما كانت فى حمايتها الحذرة .

راحوا ينتظرون وكان من غير الجائز أن ينفضوا عنها . بدا أيضا أن التحدث فيما بينهم أمر غير لائق أخذوا ينتظرون الأم كما أمرتهم ، جاهدين ألا ينظروا إلى بعضهم البعض .
قالت الأم دون أن تنظر إليهم :
أشعر الآن وكأن أحدا يحملنى بيديه ، كأنما لا شئ تحتى . ولكننى لستُ خائفة ، وكأن هذا ما ينبغى أن يكون .

صمتت الأم وبقيت دون حراك ، ولكن سرعان ما أفاقت من جديد . انغلقت عيناها فى تعب ، وبان على وجهها الجلد المألوف لدى الناس ، ولكنه تحول عندها ، حين رأت أبناءها ، إلى فرح هادئ ودافئ . ومرة أخرى لم تصدق العجوز نفسها ، وسألت لوسيا فى حذر :
متى جئتم ؟
أنا وإيليا بالأمس .
تمهلت العجوز قليلا ، ثم أضافت :
أ لم تحضروا لى شيئا معكم ؟
لقد كنا متعجلين يا ماما ، لم يكن لدينا متسع من الوقت ردت لوسيا فى بطء وبشئ من الخجل لحقنا بصعوبة ، حتى إننا اضطررنا للركض كى لا نتأخر عن المركب .
قالت العجوز :
أنا لا أسأل من أجلى . لستُ بحاجة إلى أى شئ أردتُ شيئا من أجل حبيبتى نينكا مدت العجوز يديها نحو نينكا التى كانت تقف قرب فارفارا ، ولكنها لم تصل إليها . ابتعدت نينكا بخوف عن يديها ، ولكن العجوز لم تتضايق أحتفظ لها بالحلوى فى الحقيبة ، ثم أعطيها واحدة بواحدة . هذا يسعدنى ويسعدها أيضا . وها هى قد بدأت تتشمم ، فتقترب منى وتقول : " تعالِ يا جدتى لنر ماذا بالحقيبة " ، فأقول لها : " لا شئ هناك " ، لكنها تعود للسؤال مرة أخرى . ألعب معها وكأننى لا أفهم شيئا ، مثل الصغيرة تماما . إنها فتاة جيدة وجميلة . أشعر بالراحة عند الحديث معها . هذا أمر معروف بين الكبير والصغير .
وعدتْ لوسيا قائلة :
فى الصباح سأذهب إلى المحل لأشترى لها شيئا .
قالت ناديا فى استجداء :
لا داعى لذلك . وهل هى جائعة ؟ كل ما فى الأمر أنها تعودت التدلل .
قاطعتها العجوز :
اذهبى واحضرى لها شيئا . ولكن لا تعطيها كل شئ مرة واحدة . اعطيها قليلا ، واعطينى الباقى . سأخبئه ، ثم أعطيها إياه فيما بعد وكأنه منى . سأطعمها أيضا ، وربما للمرة الأخيرة .
قالت لوسيا متذكرة :
ماما ، لقد أرسلت لكِ عنبا ، هل أكلتِ منه ؟
تلك الثمار الخضراء ؟
نعم ، هذا هو العنب .
ليذهب إلى الشيطان . فيه بذر ، وأنا لا أملك صبرا على فصلها . لقد أطعمتُ نينكا . أكلته ببذره . وقلتُ فى نفسى ، لتأكله فلن يصيبها شئ . كيف لى أن آكل منه ؟ ولماذا أضيِّعه هدرا . أنا لستُ بحاجة إلى أى شئ يا لوسيا . انظرى أية فرحة منحنى إياها الرب : أن أراكم قبل الموت . هل أنا لا أفهم أو أقدر ذلك ؟

عادت ثانية إلى البكاء كان بكاء هادئا قصيرا يخفف عن النفس وسكتت ثم مسحت عينيها الجافتين .
قالت لوسيا :
لا عليك يا ماما ، لا عليك . تعافى الآن وسيكون كل شئ على ما يرام .
لم ترد العجوز . نظرت ثانية إلى الشمس على الجدار ، حيث كانت تقف الذبابات الأخيرة . كان فى وضع العجوز كله نوع من السحر والفتنة والسكون غير البشرى ، يبدو معه أنها تستطيع أن ترى وتحتفظ فى ذاكرتها بما يعجز الآخرون عن فهمه . خيَّم الهدون على البيت ، لم يكن يُسمَع أى صوت من الخارج . ولحسن الحظ لم تصمت هذه المرة طويلا ، وإنما أخرجت صوتا رائقا ، بدا وكأنه يصدر هو بنفسه ، تلقائيا ، دون مشاركة منها ، وقالت دون أن ترفع عينيها عن الجدار :
لقد سمعت يا فارفارا كيف كنتِ تبكين بالأمس . كان صوتك ، صوتك ، أذكره . ولكننى فكرتُ أنك تبكين على بعد موتى . وفعلا ، قبل أن أفقد وعيى رقدتُ ورحتُ أفكر : " سأموت ، وستحضر فارفارا لتندبنى " . وهكذا كنتُ أعتمد عليكِ . وسمعتُ صوتك ، إلا إننى فكرتُ أنه آتِ إلىَّ من خلال الموت وليس غير ذلك .

شعرت فارفارا بالخدر يسرى فى جسدها . هزت برأسها للأم وفمها لا يزال مفتوحا لم تتمكن من قول أى شئ ، ولم تتمكن أيضا من البكاء . اقترب إيليا من ميخائيل وهمس مندهشا :
أمنا غريبة الأطوار ، ألا ترى ذلك ؟
من يعرف ، لعل الموت يسمعون أيضا ، من يعرف ؟ لا أحد يعرف . يغلقون لهم أعينهم ، أما آذانهم فتبقى مفتوحة .
سأل إيليا بصوت عال :
ماذا تقولين يا أمى ؟ عم تتحدثين ؟
ماذا أقول ؟ عرفت العجوز إيليا من صوته ، ولم تتمكن من الرد ، خجلت هذا من فرط السعادة لأننى أراكم ، لا أدرى ماذا أقول . أثرثر بشئ ما . لا تغضبوا منى ، من العجوز ، لقد فقدتُ عقلى تماما .
ماذا يا أمى ! هل تعتقدين أننا غير مسرورين لأنك حالتك تحسنت ؟ عليك الآن أن تتعافى بسرعة ، وسنذهب لزيارة المعارف والأصدقاء ، آى نعم . ولماذا نبقى فى البيت ! سنذهب كلنا للزيارة . وإذا لم تستطيعى السير سنحملك على أكفنا . عندك من يستطيع حملك .
قدمت لوسيا قدح العصيدة للأم قائلة :
اشربى ثانية . هذا ممكن الآن ، فالمعدة بدأت تعمل وستهضم الطعام .
حاولت العجوز رفع رأسها ، وساعدتها لوسيا . فى هذه المرة ، شربت أكثر . ثم أخذت فترة راحة ، وقالت مندهشة من حالها :
انظروا ! العصيدة نزلت إلى حفرة عميقة . صَدَقَ من قال : نحيف وأكول .
الآن سيكون حالك أفضل ، ستشربين أكثر فيما بعد .
أوه ، لن أستطيع .
لا عليك ، سوف تستطيعين .
قالت العجوز متشكية :
لو أستطيع فقط انتظار تانشورا … لماذا تأخرت هكذا ، ماذا حدث لها ؟
ستأتى يا أمى ، لا تقلقى . رحلتها طويلة ، ولكنها لابد وأن تأتى .
لا تسافروا وتتركونى . ابقوا معى قليلا . ستأتى تانشورا ، ولن أؤخركم . أعرف أنكم لا تستطيعون الغياب طويلا .
لا ينوى أحد حتى الآن أن يسافر ويتركك .
ابقوا معى ، لن أزعجكم . أنا أرقد ، وسأبقى راقدة . لا أستطيع السيطرة على نفسى من شدة الفرحة ، ولكننى سأصمت فيمت بعد . يمكنكم أن تفعلوا ما تريدون ، يكفينى أن أراكم مرة واحدة فى اليوم .
قالت لوسيا فى عتاب :
ما هذا الكلام … " أزعجكم " و " سأصمت " ؟ ألا تخجلين من ذلك يا ماما ، ماذا يدور برأسك ؟ أنتِ لست مطالبة بتبرير أى شئ أمامنا ، افهمى ذلك من فضلك .
تأوهت فارفارا :
لا تتكلمى هكذا يا أمى ، لا تقولى ذلك ، وإلا سأبكى .
لم يحتمل إيليا أيضا :
لا يا أمى ، لا …

سكتت العجوز وهى تشعر بالسعادة ، ولكنها لم تستطع أن تحتفظ بذلك فى داخلها :
أفتح عينى ، فأراكم هنا بالقرب منى ، يخيل إلىَّ أننى أستطيع أن أحلِّق مثل الطير ، وأحكى للجميع … يا إلهى …

كان النهار يتناقص أكثر فأكثر ، ولكن الضوء ما زال كافيا والرؤية واضحة فى البيت . الشمس الغاربة راحت تضرب مباشرة فى النافذة التى ترقد العجوز تحتها . وصلت أشعتها الآن إلى السقف . وتوزَّع الضوء المنعكس من أعلى على كل الجهات . كل شئ هنا كان مألوفا لأولاد العجوز ، وبدا وكأنه يكرر الأم : كل شئ كان يتحدث فى وقت واحد معها ، أو يلتزم الصمت ناظرا إليهم بإصرار مفعم بالرقة والكبرياء ، أو يتجاوب فى انتباه وهدوء غير لحوح . كان من الصعب تصديق أن البيت يمكنه أن يعمر بعد العجوز ، وأن يبقى فى موضعه بعد موتها من الواضح أنهما شاخا معا ، وأنهما ما زالا يتمسَّكان ببعضهما البعض ، من أجل بعضهما البعض ، وبفضل بعضهما البعض . كان يجب السير على الأرض بتأن كى لا تتألم العجوز ، فكل ما قالوه لها ما زال موجودا فى الجدران ، وفى الزوايا فى كل مكان .
الهواء هنا هو نفسه الذى تنشقوه فى طفولتهم . كان يغريهم ويشدهم إلى السنوات البعيدة الفائتة ، ولكن كانت تنقصه القوة ، مثل العجوز .
لقد هبطت النوافذ إلى أسفل وأصبحت مثل الكوى . كان لابد من الانحناء للدخول من الباب . كان من الغريب وغير المألوف رؤية الجدران الخشبية ، غير المشذبة وقد برزت منها العوارض المغطاة بالكلس . وتحت العارضة السميكة فى السقف كانت تتأرجح كالعادة الحلقة التى كانت تُعَلَّق بها أرجوحة الأطفال التى لم تكن تفرغ أبدا فى الماضى . فما أن يكبر فيها طفل حتى يحل محله آخر .
وعلى جانبى النافذة ، التى تعلو المائدة ، ازدحمت صور فوتوجرافية داخل إطارين . كانوا جميعا هناك : إيليا وميخائيل وهما فى الجيش مع التحيات من الأماكن التى خدما فيها . إيليا خلف مقود السيارة فى الشمال ، فارفارا مع زوجها يطل الاثنان بعيون محملقة ووقفة منتصبة ممسكين بمسند المقعد وكأنهما يخشيان السقوط ، ولوسيا فى مكان ما فى أحد المنتجعات بين الأشجار الضخمة الغريبة المثيرة للدهشة ، وها هى تاتيانا ما تزال قروية ، بوجهها النحيل المذعور ، وكأن التصوير قد أثار فيها فزعا مميتا .
على رف الأيقونات ، فى الزاوية اليمنى ، وضعوا مصباحا . كان ضروريا للغاية فى تلك الليلة رغم إنه لم يستعمل منذ أشهر طويلة . كانت العجوز تُصَلِّب دون أن ترفع عينيها . وإلى اليمين ، بالقرب من نافذة العجوز عُلِّقَت لافتة كانوا قد أحضروها من تعاونية قطع الأخشاب منذ سنتين ، رُسِم عليها طفل على خلفية الغابة يحمل فأسا ، وفى أسفلها كُتِب : " ازرع أشجارا أكثر ، تعش حياة أطول " . كانت الغابة فى البداية خضراء ، ولكن الذباب سرعان ما حولها إلى صفراء ، وبدا وكأن الطفل أيضا قد كبر على مر السنين . ومع ذلك فقط تعودوا الصورة ولم يقوموا بانتزاعها .

نظرت العجوز إلى أولادها بهدوء أكثر وقد تأكدت أنهم لن يفزعوا فجأة من دون سبب ، ولن ينفضوا عنها . فراحت تتحدث بيسر وسهولة دون عناء ، وعلى الفور وجدت الكلمات المناسبة . شعرت بالتعب من الكلام ، ولكنها سيطرت على نفسها : كانت بحاجة إلى الراحة ، فاستراحت . والآن تتعلم مرة أخرى كيف تدخر نفسها لما سيأتى ، وألا تستنفدها على ما هو موجود .

اقترب المساء الصحو من نهايته وحلت البرودة والعتمة فى البيت وفى كل مكان . أخذت لوسيا تُعدِّل وضع البطانية على الأم . رفعتها قليلا ، وفجأة تباطأت فى حيرة ، ونادت :
ميخائيل ، تعال هنا .
ماذا هناك ؟
سحبت العجوز قدميها بخوف وخجل دون أن تفهم شيئا .
انظر يا ميخائيل أشارت لوسيا ضاغطة صوتها .
أين ؟
هنا ، هنا .
وماذا ؟
كيف " وماذا " ؟ وفوق هذا يسأل أيضا ! هل من المعقول أنك لا ترى على أى فراش تنام ماما عندكم ؟ فراش أسود ، ربما لم يتم تبديله منذ سنة كاملة . هل من المعقول أن ينام إنسان عجوز مريض ، أمك ، على مثل هذا الفراش ؟ ألا تخجل من ذلك ؟
ولماذا أخجل ؟ وماذا ، هل أنا مسؤول فراش هنا ؟
ولكن كان عليك أن تتابع ! أن تطلب منهم غسله ، أ لم يكن ذلك باستطاعتك ؟ … أم أن الأمر بالنسبة لك سيان ، فى أى ظروف تعيش أمنا ؟ أنت هنا صاحب البيت .
لم تر لوسيا ، ولم تلحظ ، كيف احمر وجه ناديا التى لم تعد تدرى أين يمكنها الاختفاء :
لوسيا ! لوسيا ! حاولت العجوز إيقافها ، وفى النهاية توقفت لوسيا ملتفتة إليها . لوَّحت العجوز بيدها فى ضعف : تعبتُ وأنا أناديكِ . لماذا لا تسأليننى أنا ؟ لقد وجدتِ ما تتحدثين فيه الفراش ! يا إلهى ، وما حاجتى إلى فراش أبيض ؟ طوال حياتى كنت أنام بدونه ، وكنتُ مع ذلك بصحتى . والآن يسيرون على موضة جديدة : يفردون الفراش الأبيض من تحتهم . إذن جربى غسيله سوف تظلين بعد ذلك بدون أيدى .
ماما ، أنا الآن أتحدث مع ميخائيل ، وليس معك .
ولماذا مع ميخائيل ، أنا أتكلم معك ، وأنت مصممة على رأيك ؟ لا أستطيع رفع صوتى ، ولن أقدر على الصياح أعلى منكم . لقد أضجرتنى ناديا بهذا الفراش ، تلح دوما على تغييره ، وقد تعبتُ من قولى لها أن تتركه وشأنه . أنا أرقد ولا أحرك ساكنا . أرقد دون حراك ، فدعونى ، وعندما أموت سيغسلوننى على أية حال ، فمن دون ذلك لا يضعون الميت فى التابوت .
لماذا تتحدثين هكذا ؟
وتسأل أيضا ! لماذا تتحدثين … قالت العجوز فى حسرة وصمتت . ولكنها لم تستطع الاستمرار فى صمتها :
لقد أفزعتِنى ، وحتى الآن لا أستطيع أن أهدأ . فكرتُ ، ماذا رأت تحتى ، وهل فعلتُ شيئا ؟ هل أنا مسؤولة عن شئ ما الآن ؟ أنا أسوأ من طفل صغير . لا أعى حالى .
ولكن كان على ابنك أن يعى حاله ، ويتذكرك صممت لوسيا على رأيها فى عناد فهو ابنك . لا أستطيع أن أتصور كيف يمكنك أنتِ ، أمنا ، أن تنامى على مثل هذا الفراش ، ولا أحد يهتم بذلك . الجميع يعتقدون أن هذا ما ينبغى أن يكون ، قلة حياء !

ابتعدت ناديا عن الجدار حيث كانت تقف طوال الوقت . انسلت خارجة من الغرفة . ومن خلال الصمت المتوتر قال ميخائيل :
وما شأنك بهذا الفراش ؟
هزت العجوز رأسها قائلة :
كان من المفروض ألا تتحدثى أمامها بهذا الأسلوب ، فهى غير مذنبة فى ذلك . حاولت تغيير الفراش أكثر من مرة ، ولكننى لم أكن أرغب فى التحرك . لم تكن لدى رغبة ، كنتُ خائفة .
ولكننى لم أقل شيئا .
ليس لها ، ومع ذلك لها بالذات ، لمن إذن ؟ هى التى تعتنى بى ، وليس ميخائيل .
تنهدت فارفارا قائلة :
إيه ، لا أدرى ماذا أقول .
لا تدرين ، إذن اسكتى انظرى أية مشكلة صنعتِ !
ولكننى لم أقل لكِ شيئا
وأنا أيضا .
سألت العجوز لكى تغير مجرى الحديث غير الودى :
أ لم تأت ميرونيخا لرؤيتى وأنا غائبة عن الوعى ؟
رد ميخائيل :
نعم . نعم على ما أظن .
ستأتى . ضرورى أن تأتى عندما تعرف أننى تحسنتُ ، وستروى لى شيئا ما . لا أدرى كيف كنتُ سأعيش حياتى بدونها . كلامها يسلينى . ستأتى حتما هزت العجوز رأسها وستقول : " أنت يا فتاة لماذا لا يأخذك الموت ؟ " ، إنها تحب المزاح كما كانت دوما . انظرى ، هل بابها مفتوح ، يمكنك رؤيته من النافذة .
نهضت فارفارا واستندت إلى طرف النافذة .
لا ، مغلق .
لعلها ركضت إلى مكان ما ، فهى لا تبقى أبدا فى مكانها . دائما تركض من مكان إلى آخر . لتركض ما دامت قدماها تحملانها . ستشبع نوما فيما بعد . لو كنتُ أستطيع لركضت خلفها الآن . ولكننى لا أقدر .
أمى قاطع إيليا العجوز وهو يغمز لميخائيل هل تعترضين لو شربتُ أنا وميخائيل احتفالا بشفائك ؟
آه آه يا رجال ، أه يا رجال انتفضت فارفارا لا تستطيعون بدون ذلك .
أجابها ميخائيل موافقا وعلى وجهه ابتسامة عريضة :
لا نستطيع ، آى نعم .
قالت العجوز :
اشربا طالما ترغبان . ولكن ليس هنا ، ليس بقربى . فأنا لا أتحمل رائحتها .
طبعا ، يمكن أن نبتعد . سنشرب يا أمى فى صحتك كى لا تمرضى أكثر . آى نعم .
اشربا فى صحة الشيطان ، فهذا يناسبه أكثر .
يا له من اقتراح ، فى صحة الشيطان …
نعم ، تشربان فى صحة الشيطان ولا أحد غيره . ماذا يجدون فيها ، أية متعة ؟ لو تزنوننى ذهبا فلن أذوقها أبدا . ويدفعون ثمنها أيضا ؟ كأنما ستسمعان كلامى إذا قلتُ لا تشربا … اشربا طالما تريدان ، ولكن لا تكثرا لدرجة السكر . أنا لا أذكر تبدو وأنت سكران . أما ميخائيل فيغدو سيئا . وناديا المسكينة تكون سعيدة إذا وجدت مكانا تهرب إليه من ميخائيل حينما يسكر .
فرح ميخائيل وقال بدون ضيق :
أنتِ ، يا أمى تحرضين الجميع ضدى .
أنا لا أقول ذلك عبثا .
لا يا أمى ، سنشرب قليلا ، لفتح الشهية فقط .
تابعت العجوز بعد خروج الرجلين وهى تنظر إلى لوسيا وكأنها توجه كلامها إليها وحدها :
لا أستطيع أن أتشكى من ناديا . إنه ابنى من لحمى ودمى ، وهى كِنَّتى . ولكننى لا أستطيع القول أنها أساءت لى يوما ما . العناية بى تحتاج إلى صبر . لم ترفع صوتها فى وجهى ولو مرة واحدة . لماذا أظلمها إذا لم تكن قد أساءت لى أبدا . إنها تسقينى ، وتحضر لى كيس الماء الساخن . عندما يكون الطقس باردا لا أستطيع الحياة بدون كيس الماء الساخن . فدمى قد برد تماما ولم أعد أدرى هل مازال موجودا بداخلى أم لا .
قالت فارفارا ناصحة إياها على طريقة الإنسان الفاهم :
يجب أن تتغطى بشكل أفضل .
وكيف أتغطى أفضل إذا كانت ناديا تثقلنى بكل ما لديها من أغطية ، لدرجى أننى لا أستطيع الحركة . أشعر بثقل الأغطية ، ومع ذلك ترتجف قدماى ، فأنادى ناديا أو أبعث خلفها نينكا . تحضر ناديا ، وتسخن الماء ، فأشعر بتحسن . لولا ناديا لكنتُ قد ضعتُ تماما . ماذا يمكننى أن أقول غير ذلك . إنه آدمى عندما يكون صاحيا ، ومن النادر جدا أن يرفع صوته ، ولكنه عندما يسكر يصير غير محتمل أبدا . يزعجنى ويزعجها ، ونتمنى لو نهرب منه إلى آخر العالم .
سألت لوسيا متحفزة :
وكيف يزعجك ؟
كيف .. كيف . يطلب منها المزيد من الخمر ، وهو نفسه لا يكاد يستطيع الوقوف على قدميه من شدة السكر . يطلب المزيد ، ولكن من أين ، من أين لها بالنقود ؟ يرسل بها إلى الدكان : " أنت تعملين هناك ، وسيعطونك " . ولكنها هناك تنظف لا أكثر . وليس لها علاقة بالمشروب . لو يفكر قليلا .. ولكنه يتعنت . وعندما أحاول منعه ، ينهرنى فى غضب : " أنت يا أمى ترقدين . فتابعى رقادك ، واسكتى " . فأسكت . صرتُ أخاف منه عندما يكون سكرانا . وعندما يبدأ العراك هناك ، آخذ نينكا لتنام معى .
علَّقت لوسيا فى تماسك :
هكذا إذن ..
ثم قالت فارفارا فى استياء وهى تنظر نحو الباب :
لا خجل لديه ولا حياء . منتهى الوقاحة أن يعامل أمه على هذا النحو !
أو يأتى إلىَّ ويجلس : " لنتحدث يا أمى " ، ولكن عن أى شئ يمكننى أن أتحدث معه وهو سكران ، وقد اختلطت الأمور فى رأسه . " ألا تريدين أن تتحدثى معى ؟ أنا أطعمك وأسقيك ، وأنت تقرفين من الحديث معى ؟ " ، ولكن لماذا أقرف ؟ تعال وتحدث معى عندما تكون صاحيا ، وليس بهذه الحال . أوه ، أوه ، كم هو لحوح !
وعدت لوسيا :
سأكلمه ، سوف أتحدث إليه بما لا يسره . ما هذا الوضع ؟! " أطعمك وأسقيك " … لم يكن ينقصنا إلا هذا الكلام .
ولكن لا تتحدثى إليه وهو سكران ، لا داع لذلك ، فهو لن يفهم ، وإنما سيثور غضبا . إنه فى غاية البشاعة عندما يكون سكرانا ، ولا أحد فى هذه الحال يثنى عليه . وبعد ذلك ينام ويصحو وكأن شيئا لم يكن . إنه إنسان آخر تماما لولا الخمرة . إنها تهلكه .
لا ينبغى الشرب قالت فارفارا .
فردت الأم موافقة بإيماءة من رأسها ، وتأوهت :
ومن الذى يقول ينبغى ؟ فالإنسان الذى يشرب الآن ولا يفقد وعيه هو إنسان من ذهب . أما الذى لا يشرب إطلاقا فيجب أن نحمله ونعرضه على الناس فى مقابل النقود : انظروا .. انظروا أية معجزة . أما صاحبنا فبمجرد أن يشرب قطرة واحدة يصير مثل البرميل المثقوب ، مهما صببنا فيه لا يمتلئ .
ردت لوسيا قائلة وهى لا تزال مندهشة :
لم أكن أعرف ، لم أكن أعرف أن ميخائيل قد انحدر إلى هذا الحد .
قالت فارفارا مؤيدة :
انحدر ، انحدر . أمنا لا تكذب .
أسرعت الأم قائلة فى انزعاج :
ولِمَ أكذب ؟ ما حاجتى الآن إلى اختلاق الأكاذيب حول ابنى .
هذا ما أقوله : أمى لا تكذب .
ردت لوسيا بلهجة حادة :
ولكن ، لا أدرى لماذا تتحمل أمنا كل ذلك . إنه يهزأ بها كما يريد ، وهى تدافع عنه . " ينام ويصحو وكأن شيئا لم يكن " قالت لوسيا مقلدة العجوز والآن انتظرى حتى يشبع نوما ، انتظرى ، لعله يطردك من البيت .
لم يطردنى ، لماذا هذه التخاريف .
لم يطردك ، ولكنه سيطردك إذا كنتِ تسكتين له كل مرة . لم يبق غير قليل على ذلك .
لم يطرد أحد فى عائلتنا أمه من البيت .
وكذلك لم يعامل أحد فى عائلتنا أمه كما يعاملك ابنك .
وافقت فارفارا :
لا أحد ، لا أحد . لم أسمع بمثله فى حياتى كلها . إنه وحده فقط الذى يفعل ذلك .
بعد فترة صمت قصيرة بدأت العجوز مرة أخرى :
أنتما غاضبتان ، غاضبتان . لكن لو كنتما تعيشان معى ، إن العيش معى عقوبة ، ألا أعرف ذلك ؟ فتارة أحضروا هذا ، وتارة أخرى أحضروا ذاك ، وحينما ينتابنى السعال لا أستطيع حتى رؤية ضوء النهار : كح . كح . كح ، ولا أقدر حتى على الخروج وحدى لقضاء حاجتى . أ ليست هذه مصيبة ؟ كان يجب أن أموت ، كفانى عذابا وتعذيبا للآخرين . لقد تأخرتُ ، وأخشى أن أتأخر أكثر من ذلك . إنه يصبر عندما يكون صاحيا ، حرام أن أقول غير ذلك . ولكن من المعروف أن السكران لا يستطيع السيطرة على نفسه . فى البداية أغضب ، ثم أمعن التفكير : هل ثمة سبب للغضب ، وممن أغضب ؟ علىَّ أن أتحمل ما دمتُ قد شِخْت . لقد تحمَّل الرب وأمرنا أن نفعل ذلك .
بعد أن ارتاحت العجوز قليلا ، بدأت تتحدث بسهولة ، ويبدو أن ذكر الرب قد هدَّأها . تنهدت بارتياح وطلبت :
لا تقولى له شيئا ، دعيه . أريد أن أموت فى هدوء ، وألا يذكرنى أحد بسوء . سيكون الموت فى هذه الحالة أسهل . ألا ترون ذلك ؟ لا تتخاصموا بسببى ، فسوف يكون الأمر أسوأ لى إذا تشاجرتم ، سأموت ، ولكن عليكم أن تعيشوا ، أن تروا بعضكم ، وأن تتبادلوا الزيارات ، فأنتم لستم غرباء ، إنكم من أم واحدة وأب واحد . أكثروا من تبادل الزيارات ، وعلى الأخ ألا ينسى أخته ، والأخت أخيها . وترددوا إلى هنا ، فهنا أصلنا كله . وأنا سأكون هنا ، لن أذهب إلى مكان آخر . ستجلسون قرب قبرى ، وسأعطيكم إشارة بأننى أحس بكم ، وربما أرسل طائرا يبلغكم بذلك .

دخلت ناديا الغرفة فى حذر ، وخوفا من إثارة الإزعاج وقفت قرب الباب خلف سرير العجوز . رأوا ناديا ، فالتفتوا نحوها ، وعندئذ خطت نحو الطاولة وجلست واضعة يديها اللتين أثقلهما العمل على ركبتيها . تبدَّل حالها على الفور : فهى أثناء العمل تشع نشاطا ، ولكنها بمجرد أن تجلس لا حس ولا خبر ، وكأنها نائمة بعينين مفتوحتين تترقبان موعد النهوض والركض من جديد .
سألتها العجوز كى تحمل ناديا على المشاركة فى الحديث :
هل انتهيت من ترتيب كل شئ ؟
انتهيت ، لم يبق هناك سوى أن أبيت البقرة .
شاهدتِ الرجلين ؟
إنهما فى الحمام .
كم أتمنى ألا يسكرا .
لعله يصبر فى وجود الضيوف .
نعم ، هو ليس وحده ، معه ضيفه .
وأخيرا تحدثت ناديا عن سبب مجيئها :
سنتعشى هنا ، أم بالمطبخ ؟ كل شئ جاهز .
ردت العجوز :
اجلسوا هنا ، لماذا أبقى وحدى هنا ، سوف أشبع بعد ذلك من الرقاد وحيدة .
عندئذ سأشعل الضوء .
أشعليه ، ومن يمنعك . أى عشاء فى الظلمة ؟
أ ليس من الضرورى أن أدعو الرجلين ، أم لا ؟
ردت العجوز بدون سخرية :
وهل يشبعان من الشرب ؟ ولكن النبيذ لا يشبع كثيرا . صيحى عليهما فقط ، وبعد ذلك إذا أرادا فليأتيا .
أعتقد أنه من الممكن إطعامهما فيما بعد .
ولكن لماذا تقدمين الطعام مرتين ؟ وأنت هكذا مجهدة طوال النهار .
هيا يا ناديا ، سأساعدك قالت لوسيا ، ومن الواضح أنها كانت ما تزال تحت تأثير الخجل من موضوع الملاءات ، وأرادت أن ترضيها بطريقة ما .
استريحى ، استريحى ، سأجهز كل شئ بنفسى . يجب أن أسخِّن الأكل مرة أخرى ، فلابد أنه قد برد . استريحى .. حالا ، حالا .

بقيت لوسيا .

جاء الرجلان أحمرين وكأنهما خرجا من حمام بخار فصار كل منهما أكثر شبها بالآخر . حتى الغريب يمكنه الآن أن يقول أنهما أخوان : فأين يمكن إخفاء هذين الفكين الناتئين ، والحاجبين الكثيفين الأشعثين على الجبين ؟ بينما احمرت رقبة هذا وذاك ، وصعد الدم إلى رأس إيليا الأصلع فبدا وكأنه يتوهج .

جلسا إلى المائدة فى ضجيج ، وسأل ميخائيل بصوت عال :
كيف الحال عندك ، هناك ، يا أمى ؟
رد عليه إيليا بعد أن اعتادا الحديث مع بعضهما البعض فى الحمام :
كيف الحال ؟ أمنا رائعة ، خدعت موتها ، ولا شئ أكثر من ذلك .
نظرت الأم إليهما فى صبر وتأنيب ، وقالت متباطئة :
لا يمكن خداع الموت .
خدعته يا أم ، خدعته ، ولا تغالطى . حسنا فعلت ، ماذا ، أ لن يجدك غيرك ؟ من المؤكد أنه سيجد آى نعم ، فالدنيا لا تخلو من الأبرار .
فقال ميخائيل ضاحكا :
هذا صحيح .
وفجأة ردت فارفارا وكأنها قد تصيدته :
أفضل لك أن تصمت يا عديم الضمير .
ما هذا ؟
" من الأفضل أن تكلسى ، وتخلسى خالص ، فالأمل لا يعنيك " ردد إيليا متذكرا لعثمات الطفولة ، ودون أن يفهم شيئا حاول أن يأخذ كلمات فارفارا فى شئ من المزاح .
عديم الحياء قالت فارفارا مرة ثانية فى حدة ، والتفتت نحو لوسيا طلبا للمساعدة ، فكان على لوسيا أن تأخذ مهمة الحديث على عاتقها :
لو كنتُ مكانك ، يا ميخائيل ، لسكتُّ بالفعل قالت ذلك فاصلة الكلمات عن بعضها البعض وهى تنظر فى عينيه مباشرة إن ما تسمح به لنفسك تجاه ماما أمر مرفوض تماما . وتذكر : لن نسمح بإهانة ماما ، ولن نسمح لك أن تهزأ بها .
ماذا بكما ، هل فقدما عقلكما ؟ من يهزأ بها ؟
أنت .
أنا ؟ وماذا أفعل معها ؟ قولى ، قولى طالما بدأتِ .
عندئذ تدخلت العجوز فى توسل :
لوسيا ، لوسيا ، لماذا تقولين ذلك ؟ لقد رجوتك باسم الرب المسيح . لا تتعاركوا ، ارحمونى .
لا ، دعيها تتكلم .
رضخت لوسيا على مضض :
حسنا يا ماما ، لن نفعل الآن . ولكن تذكر يا ميخائيل ، حديثى معك لم ينته بعد .
اتجه ميخائيل فى احتجاج مخاطبا إيليا :
انظر إليهما . تنقضان علىَّ بهذا الشكل ، ويقولون أنهما شقيقتىَّ . أمر غريب .
ردت لوسيا متوعدة :
سنتحدث معك عن ذلك فيما بعد .
لا تخيفيننى ، فلا أحد يخاف منك .
قال إيليا :
أنت ، يا ميخائيل ، تغضب الأم . لا تجوز الإساءة إلى أمنا .
رد ميخائيل دون أن يختلف مع إيليا :
صحيح جدا ما تقول . لا يجوز الإساءة إلى الأم . هذا إثم . أنا لم أسئ أبدا إلى أمى .
لقد وهبتنا الحياة .
واصل ميخائيل وهو يمسح دموعه من شدة السكر :
كل ما تقوله صحيح . أفهم كل شئ . بل وأفهم أكثر منهما وهز رأسه تجاه أختيه هل تعرف لماذا انقضتا علىَّ ؟ لأنهما غاضبتان منى : أرسلتُ تلغرافا وجئتُ بهما من هناك بينما الأم لم تمت ، وكأننى دعوتهما عبثا ، خدعتهما . أنا أعرف .
هبت لوسيا غاضبة :
هل تفهم ولو حتى ما تتفوه به ؟ أم أنك لم تعد تع شيئا ؟ أ لا تخجل من نفسك ؟!
مرة ثانية راح إيليا يُعَدِّل الأمور :
هذا أيضا لا يجوز يا ميخائيل .
فرد ميخائيل موافقا :
لن أفعل طالما لا يجوز . أنت أكبر منى وعلىَّ أن أحترمك .
المسألة ليست فى ذلك .
أفهم : المسألة ليست فى ذلك .

دخلت ناديا وأخذت تصب الحساء . الأمر سيان ، فقد اضطرت لإعداد المائدة مرتين : فى البداية أكل الرجلان ، وبعدهما جلست فارفارا ولوسيا . سكبوا للعجوز بعض المرق فى فنجان ، ورحن يأكلن فى صمت .

خرج الرجلان بعد أن أخذا المصباح من فوق رف الأيقونات . وتنهدت العجوز بثقل على أثر خروجهما :
أ من المعقول أن يكون لديهما المزيد هناك ؟ هل هذا معقول . يا إلهى .. عطفك ورحمتك . ماذا يفعلان ؟! ماذا يفعلان ؟!

( 4 )

ومرة ثانية صافحت عينا العجوز وجه الصباح .
رقدت طويلا تنتظر الفجر بعينين مفتوحتين وقد قررت : أن تحاول الجلوس بمجرد أن تصبح الرؤية ممكنة انتابتها آلام شديدة فى العظام الناتئة بظهرها وجنبيها ، وضوء الفجر قد اختفى فى مكان ما مثلما يحدث بالضبط فى ليلة عيد الميلاد . خافت العجوز أن تتحرك فى العتمة : خشية أن تقع ولا تتمكن من النداء على أحد . وأخيرا بدأ الظلام ينقشع عن النافذة الأقرب إلى جهة الشروق ، وصارت الرؤية ممكنة من خلالها . بعد ذلك بانت النافذة الأخرى فى مكانها . ومن خلال النافذتين اندلقت فى الغرفة غبشة صباحية مبكرة باردة قبل طلوع الشمس .

انتظرت العجوز ريثما يزداد نور الصباح ، ولام تحول عينيها عن لوسيا هل هى نائمة ، ثم رفعت ظهرها قليلا عن الفراش . أخذت نفسا ، ثم اعتمدت على يديها وأنزلت قدميها إلى الأرض . دار رأس العجوز ، فاستندت إلى الفراش حتى لا تهوى إلى الأمام ، لا قدر الله . وحينما تماسكت ، اعترتها الدهشة وهزت رأسها : من كان يصدق لا شئ لدىَّ أجلس عليه ، لا شئ غير العظام ، وها أنا ذا أجلس . شدت العجوز البطانية على قدميها كى لا يظهر نحولهما .

فرحت العجوز لتمكنها من الجلوس ، وشعرت بألم لذيذ يدب فى ظهرها ويديها وقدميها ، وتسرَّب الخدر الذى كاد يتحجر فى جسدها من طول الرقاد . كانت الرؤية من هذا الموضع أكثر راحة لعينيها ، فراحت تنظر إلى الأمام مباشرة بدون الحاجة إلى رفعهما : طوال يوم الأمس كادت عينا العجوز تنقلعان من محجريهما إلى أن أصابهما الإعياء تماما من كثرة الحركة هنا وهناك . سرعان ما أحست بالبرد فى قدميها الحافيتين على الأرض ، فمدت طرف البطانية تحتهما ذلك يعنى أن قدميها لم تموتا تماما ، إذ أن الدماء ما تزال تصل إليهما .

لم تكن الشمس تقع على البيت فى الصباح ، ولكنها بمجرد أن أشرقت عرفت العجوز حتى من دون أن تنظر إلى النوافذ : بدأ الهواء يتحرك ويتلاعب من حولها ، وكأن شيئا ما نفخ فيه من جهة ما . رفعت عينيها ورأت ما يشبه الدرج النازل من السماء والذى لا يجوز المشى عليه إلا بقدمين عاريتين ، ومن أعلى تتساقط أشعة الشمس المتراقصة فى جنون وفرحة قبل وصولها إلى الأرض . شعرت العجوز فى الحال بالدفء وتمتمت :
يا إلهى …

سمعت العجوز خوار البقرة ، ولكنها لم تناد ناديا : يجب أن تتعود النهوض بنفسها ، فهى على أية حال ليست خالدة فى هذه الدنيا . وإذا نادتها فمن السهل أن تستيقظ لوسيا ، وهى التى اعتادت أن تصحو متأخرة فى مدينتها تلك . إذن لتبق نائمة ، فلا حاجة لها فى القيام هكذا مبكرا . جلست ، وتناهى إلى سمعها ، كيف ترتدى ناديا ملابسها ، وبعد ذلك تعالى صرير الباب ، وعم الهدوء ثانية . إلا أن العجوز كانت تعرف أن البيت يشبه الإناء الموضوع على الموقد لتسخين ما فيه من طعام . وها هو يكاد يسخن ، ويتكلم .

وفعلا ، بدأ وقع أقدام أحد ما هناك نينكا . بالطبع لن تخرج الآن إلى الخلاء ، فالقصرية هنا ، تحت سرير العجوز . مطت العجوز جسدها ونادت على نينكا بهمس قوى . فأقبلت هذه بخطواتها الصغيرة وهى ما تزال تحت تأثير النوم ، وبعينين مغمضتين تبولت ، ثم تسلقت إلى فراش العجوز هذا ما كان يحدث فى الماضى … كانت نينكا تحب أن تركض فى الصباح إلى الجدة ، والآن تكاد العجوز تبكى : ها هى فرحة جديدة أخرى من أفراح حياتها لم تتركها بعد . نينكا لا تزال تذكر أين جدتها ، وتمتمت وهى شبه نائمة :
ستموتين ، وسأنام أنا هنا على الدوام .

همست العجوز وهى تدس البطانية تحتها :
نامى ، نامى . ستشعرين بالدفء هنا قرب الموقد . نعم ، فالشتاء على الأبواب . ستكونين هنا بلا مشاغل أو هموم . أه منك يا صغيرتى الطيبة ! لقد كبرت ، وأصبحت تفهمين كل شئ .

ران الصمت على البيت مرة ثانية بعد نينكا ، ولكن الأصوات كانت تتعالى من الشارع رويدا رويدا . أرهفت العجوز السمع حتى تتعرف على بقرة من تلك التى تخور ، ومَنْ مِنْ الجارات تأخرت اليوم عن النهوض . أصاخت السمع إلى خوار بقرة ميرونيخا ، وربما لو أرهفت السمع أكثر لسمعت ميرونيخا نفسها ، فهى دائما تصرخ بالبقرة عندما تحلبها : ما هذه البقرة التى لا تقف فى مكانها . أ لم تمل ميرونيخا بعد من الركض خلفها مع مقعدها فى الفناء ، ومن الصراخ أيضا ؟ وهل من الصعب أن تستبدلها بأخرى غيرها ؟ أم أنها هى نفسها لم تعد تقدر بدون ذلك ؟

لا ، لم تسمع صوت ميرونيخا ، ولا خوار بقرتها ، وكأن هذه وتلك لم تتمكنا من البقاء حتى نهاية يومهما . لعل ذلك حقيقة ؟ وإلا فأين كانت بالأمس ، وكيف استطاعت ألا تأتى ؟ تعيش وحيدة ، ولا أحد يطل عليها . رفعت العجوز رأسها لرؤية باب بيت ميرونيخا ، ولكن بصرها لم يصل إلا إلى السقف ، وخشيت أن ترفع جسدها عن الفراش . ظلت تحدق نحو الشارع ، ولم تلحظ دخول فارفارا ، فأصابتها رعشة حينما سمعت صوتها .
أ تجلسين ؟ سألت فارفارا غير مصدقة .
تلاشى فزع العجوز وقالت فى فخر :
كما ترين ، أجلس .
وهل مسموح لكِ أن تجلسى ؟
استاءت العجوز حين لم تدرك فارفارا ما ذا يعنى الجلوس بالنسبة لها ، فقالت :
وممن سآخذ الإذن ، مسموح أم ممنوع ؟ جلستُ ، وأجلس .
إذن فاحذرى حتى لا تقعى .
ما هذا الهراء ، ولماذا أقع ؟ لو كنتُ سأقع لوقعتُ بدونك ، ولكننى أجلس .
هل نينكا هى التى رفعتك من الفراش ؟
لم يرفعنى أحد . لا تخرفى . لقد جلستُ قبل مجئ نينكا .

كانت فارفارا لا ترى بوضوح لأنها ما زالت تحت تأثير النوم ، وكان شعرها منكوشا وكأن أحد ما قد اضطجع عليه ، قالت وهى تتثاءب