مختارات ، للكاتب : محمد عفيفي
بالع الزلط
اضيفت بتاريخ 08-01-2009 الساعه 12:29 AM بواسطة زنوبيآ
لو أنّ علماء التطور شاهدوا ولدي الصغير – 4 سنوات – لغيروا فكرهم من أن الإنسان أصله قرد إلى أن أصله نعامه ، باعتبار أن النعامة هي المخلوق الوحيد الذي يبلع الزلط !
هو كالنعامة وألعن ، لا يرى أي شيء في الدنيا حتى يتناوله ويبلعه . القروش يبتلعها والشلنات ، محولا بطنه من بطن إلى حصاله ، فإذا أكل المشمش لا بد له أن يبتلع بذرتين ، وكذلك الحال مع البرقوق والبلح والزيتون الأسود ، فلعل سبب كراهيته للموز أنه ليس له بذر يبلعه .
ومرة قال لي هات لي بلي يا بابا ، ونسيت عادته واشتريت له عشر بليات ، كنت أحسبه يريد أن يلعب ولم يخطر ببالي أنه جوعان ! ، بلع خمس بليات ولحقناه قبل ما يحلي بالنيكل !
ومرة رأيته يجلس منتفخ الشدقين ، بشكل غير طبيعي حتى بالنسبة له ، ففتحت فمه وأخرجت كرة بنج بونج ، وقبل أن أقفله فحصته جيدا ولكنني لم أجد المضرب .
ومنذ يومين لا غير أقبلت امه مخضوضه ، تقول أنه قد بلع زلطه .
- واحده ؟
- اه
- تبقى بسيطة !
- بسيطة ازاي ، قوم استفهم منه كويس
.. فرحت استفهم منه ..
- أنت يا ولد بلعت زلطه ؟
- اه
- وليه بلعتها ؟
- عشان كانت في بُقي
وروى لي أخوه الأكبر أنها كانت كبيرة إلى درجة أنه اضطر إلى بلعها بلقمه وجرعة ماء .
- على كل حال بسيطة ، قلت للأم المخضوضة ، هي دي أول زلطة بلعها ، ده تلاقي في بطنه محجر
- ده وقت هزار
- هو فيه حاجة بتوجعه
فسألته ..
- هو فيه حاجة بتوجعك ؟
- صباعي
- شفت أزاي ! ، قالت الأم ، الزلطة مشيت في جتته .
فلما أفهمتها أن الزلطة لا يمكن أن تصل إلى أصبعه خصوصا وهي بالحجم الذي وصفوه ، بدأت تستعرض الأماكن الأخرى التي يمكن للزلطة أن تربض فيها من جسم الواد .
- فم المعدة من أعلى ، تسده الزلطة وتمنع دخول الأكل فيه .
- فم المعدة من أسفل ، تسده الزلطة وتمنع خروج الأكل منه .
- الأمعاء الدقيقة والمصران الأعور ، هناك تنحشر الزلطة فتتسبب في خروج ما يخرج من حيث لا يجوز أن يخرج
- الكلى التي قد تنفذ فيها الزلطة وتتحول إلى حصوة .
- الشرايين التي قد تتسرب إليها الزلطة وتسبب للواد جلطة
واحتمالات أخرى كثيرة دفعت الأم إلى استحضار ترمومتر
- أما أشوف حرارته
- بس قرطي على الترمومتر كويس أحسن يبلعه !
لكن حرارته كانت طبيعية ، ليس الزلط – فيما يبدو – من الأشياء التي ترفع الحرارة ، حرارة ذلك الولد على الأقل ، ومع ذلك لم يهدأ بال الأم المخضوضة ، فتحت دفتر التلفون وبدأت تتصل بالدكاترة ابتداء من حرف الألف .
- اعملي له حقنه ، قال لها الدكتور الأول
فبدأت تملؤه بالماء كالقربه ، لتران من الماء سيضافان إلى فاتورة المياه ، ولم تنزل الزلطه
- أدي له شربة زيت ، قال لها الدكتور الثاني
فأعطته إياها ، نزلت الشربة ولم تنزل الزلطة ، ومع الشربة نزل عدد كبير من البذور التي تشبه بذور الجوافة دون أن تكون بذور جوافة .
- أنت أكلت ايه أمبارح في المدرسة
- مس عالف
وبشيء من التحقيق عرفنا أنه كانت عندهم حصة فلاحة البساتين ، أعطوه فيها بعض البذور ليزرعها ، ولم يكونوا يعرفون بالطبع أنه يميل إلى استخدام معدته كمشتل .
- استنوا عليه للعصر واعملوا له أشعة ، قال الدكتور الثالث
فانتظرنا إلى العصر ، وبرضه لم تنزل الزلطة ، وإنما نزلت طائفة جديدة من البذور التي تشبه بذور البرتقال فسألته :
- أنت يا ولد أكلت برتقال ؟
- لا ، أجابني ، لالنج
- ايه ؟
- لالنج
- قصده لارنج ، قال أخوه الأكبر
ويشرح لي كيف أنه رأى خادمة البيت المجاورة تقطع له – للواد الابتلاعي – عددا من حبات اللارنج من الشجرة المزروعة عندهم .
- وليه يا ولد ، سألته ، بتاكل بذر اللارنج ؟
- أصلي ما بحبش اللالنج
فقلت لامه : أيهما أرحم ، زلطة واحدة أم عشرين بذرة لارنج ؟ ، لكنها أصرت أن هناك فارق كبير بين الزلطة والبذور ، من أهمها أن هذه بذور وهذه زلطة ! ، فسرعان ما كنت أحملهما في الفورد ( ونبيتي كمان ) إلى طبيب الأشعة ، فقلعه الدكتور ملطا وكشف عليه بالأسكرين ، رأى زلطة رابضة في مكان ما من أمعائه الغليظة .
- أيه رأيك يا دكتور ، سألته ، لو زقيناها بزلطة ثانية ؟
فلم يوافق ، لكنه أبدى سروره لأنها وصلت إلى الأمعاء الغليظة ، معنى هذا أنها ستنزل من تلقاء نفسها ، ولا الحوجة للجراحة . وقالت الأم :
- والأكل ؟
- عادي
- آه عادي ، علقت أنا ، شويه بذور ، شويه بلي ، شويه زلط ، حاجات خفيفة كده .
لكن أحدا لم يضحك ، لا زوجتي ولا الدكتور برغم أنه لهف ثلاث جنيهات .
.............
وبات الولد ، وصحي فدخل الحمام ، ثم خرج فسألته أمه :
- نزلت ؟
- لسه
وأصبحنا ظهرا ...
- نزلت ؟
- لسه
ثم عصرا ...
- نزلت ؟
- لسه
ثم دخلت أنا الحمام ،ثم خرجت ليقابلني الولد بنفس السؤال :
- نزلت يا بابا ؟
كأنه يؤمن – ذلك الوغد – بنوع من التكامل الفسيولوجي بين أفراد الأسرة ، ذلك التكافل الذي – وفقا له – يبلع هو الزلطة فتنزل من أبيه ! ، لعنت أبا الجهل ، وقفلت علي باب مكتبي لأشتغل ، وسرعان ما انفتح الباب عن مظاهرة مكونة من الولد وأمه وهما يهتفان ويرقصان :
- نزلت ! نزلت ! نزلت !
كنت قد نسيت الأمر ، فقلت لهما :
- أيه اللي نزلت ؟
- الزلطة
- الزلطة أم ثلاث جنيه ؟
- وهم ثلاثة جنيه كتير على نزول الزلطة
- اه ، كتير على جيبي أنا .
وضمته إليها وقبلته ثم تركاني وخرجا ، وبحثت عن القلم فلم أجده ، وخشيت أن يبلعه الولد ، فهتفت صارخا :
- هات يا ولد القلم اللي كان قدامي
ولم يضايقني سوى الثلاث جنيهات التي لهفها طبيب الأشعة وكانت ستنزل وحدها ، بالإضافة إلى جالون الماء لزوم الحقنة ، وزجاجة زيت الخروع لزوم الشربة .
مجموع التعليقات 3
التعليقات
-
اضيفت بتاريخ 08-07-2009 الساعه 03:35 AM بواسطة ابوهايل
-
اضيفت بتاريخ 08-09-2009 الساعه 11:40 PM بواسطة زنوبيآ
-
اضيفت بتاريخ اليوم الساعه 09:37 AM بواسطة Mr.kaka















