مختارات ، للكاتب : محمد عفيفي
أرنب في السماءْ !
اضيفت بتاريخ 07-14-2009 الساعه 04:33 AM بواسطة زنوبيآ
كنا جالسين في الحديقة الخلفية - ولدي وأنا - فقلت له مقترحاً :
- ماتروح تقعد في حتّه تانية ؟
فقد نظرت إلى الحديقة الواسعة ، ونظرت إلى نفسي - أنا الرجل الكبير - فرأيتني جالساً وحدي مع ذلك الولد الصغير في شكل اجتماع خاص ، وبدا لي أن منظرنا مضحك نوعاً ما ، حتى بالرغم من أن أحداً لا يرانا .
قال في إيجاز :
- أصلي عاوز أقعد معاك .
فأدركت أن الولد محتاج نفسياً إلى الجلوس معي ، لا بصفتي والده فحسب ، و إنما بصفتي رجلاً راجح العقل - بالنسبة له على الأقل - يمكنه أن يقدم له الرأي السديد ما ينير بصيرته ويفيده في مستقبل الحياة ، ومن أنا حتى أبخل عليه بهذه الفوائد الكبيرة ؟
قلت له :
- خلاص ، خليك قاعد ..
فابتسم في خجل لا لزوم له ، وأخذ يحك بنطلونه بظفره ليزيل بقعة وهمية . وخطر لي أنا خاطر مضحك فأخرجت النوتة من جيبي لكي أدون فيها ، وبينما أنا عاكف على ذلك أتاني صوته يقول :
- بص يا بابا .. كلب طاير !
وهي بالطبع ملحوظة كاذبة ، لاستحالة وجود كلاب طائرة أصلاً ، على الأقل في ذلك الارتفاع الذي يشير إليه بإصبعه . ولكنني نظرت إلى حيث أشار - مجاملة له - فلم أر أي كلب بالطبع ، ولكني رأيت سحابة كبيرة بيضاء تسبح في زرقة السماء الصافية .
- شفته يا بابا ؟
و هذا عيب العيال .. أنهم ينظرون إلى السحابة بلا مناسبة ويشبهونها بالأشياء غير الصحيحة .
قلت له :
- ده موش كلب يا مغفل ده أرنب .. خليك دقيق .
فتفحص الشكل الطائر فوقه ثم ضحك وقال :
- آه صحيح !
وهي ميزة في ذلك الولد ، أنه يقبل النقد بصدر رحب ويعرف متى يعدل عن آرائه .
سألني :
- تيجي ناكله ؟
فأدركت أنني يجب أن أرد النوتة إلى جيبي ، ورددتها ثم نظرت إلى الأرنب المقترح أكله ، وأصارحك بالقول بأن الفكرة أعجبتني .
قلت له :
- ياريت يابني .. ده كان يقضينا سنة بحالها ..
وكان تفكيري متجهاً إلى الناحية الإقتصادية ، ولكنه كان يفكر في شيء آخر ، إذ قال :
- وندي منه حتّه لعلاء .
علاء هذا أخوه الصغير الذي يكرهه كره العمى وفقاً للمبادئ الفرويدية ، ولذلك يريد أن يضحك علي وعلى نفسه بهذه النفحة من الكرم نحو الطفل ، علماً بأن اعطاء المذكور مجرد حتّه من هذا الأرنب ذي الحجم الخرافي يعتبر أقرب إلى البخل منه إلى الكرم ، خصوصاً أنه لن يأكلها لأنه ما زال يرضع .
وسكت الولد حيناً ، حتى ظننت أنه نسي الأمر و أنني أستطيع مواصلة أفكاري المضحكة ، ولكنه مالبث أن قال متسائلاً :
- بس ندبحه بإيه ؟
سؤال سخيف كما ترى ، ولكن ماذا أصنع بولد محتاج إليّ نفسياً !
- الأرانب كلها بتدبح بإيه ؟
- بالسكينة يعني ؟
- طبعاً .
فسكت مُفحماً ، وظننت من جديد أن الأمر قد انتهى ، ولكنه عاد بعد لحظات من التفكير يقول :
- بس نطلع له ازاي !
فخطر لي أن أشتمه ولكني أحجمت ، ورحت أفكر في أداة نتوصل بها إلى ذلك الأرنب الشاهق ، فلم أجد بالطبع أحسن من الطيارة ، الأمر الذي أثار عنده مشكلة جديدة .
سألني :
- ومين يسوقها ؟
- الطيارة ؟
- آه ..
- أي حد ..
- طب ما تسوقها انت ؟
- زي بعضه ، أسوقها .
فقال بعد لحظة من الصمت المستريب :
- انت تعرف تسوق طيارة ؟
- لا ..
- امال عاوز تسوقها ليه ؟
- أنا موش عاوز اسوقها . انت اللي عاوزني اسوقها ..
- أنا باحسبك تعرف تسوق
- لا ..
- امال مين ح يسوقها ؟
- نشوف لها سواق من هنا ولا هنا .
وبانتهاء مشكلة الطائرة وسائقها ظننت - لثالث مرة - أن حاجة الولد النفسية قد انتهت ، ولكنني كنت مخطئاً .
- بس الأرنب ده ( سألني ) نحطه فين ؟
وهو كما ترى سؤال يثير صعوبة كبيرة في الإجابة عليه من الناحية التربوية ، ولذلك اكتفيت بأن أقول :
- شوف الأرانب بتتحط فين ..
قال مستفسراً :
- في الحلّة يعني ؟
- طبعاً
- و احنا عندنا حلّة تساعه ؟
- نعمل له حلّة على أدّه .
- نعملها فين ؟
- عند بتاع الحلل ..
- ونشيل الحلّة فين ؟
- في التلاجة ..
- وإذا مادخلتش فيها ؟
- نفصل لها تلاجة على أدها .. وماتسألنيش نفصلها فين لأنك عارف .
- عند بتاع التلاجات ؟
- ايوه ..
فسكت ليتخيل الحجم المناسب لمثل تلك الثلاجة و أظن أنه أعجبه ، ثم قال وسفالة الأوغاد في عينيه :
- ونسكها بالمفتاح أحسن علاء ياكل الأرنب !
و هكذا اكتشفت أننا نسير في دائرة مفرغة ، وأن الولد ليس في حاجة نفسية لي أنا ، وانما إلى ما يمكن أن أساهم به في اغتياب أخيه الرضيع .
قلت لأريحه :
- تيجيش بدل ما ندبح الأرنب .. ندبح علاء ؟
فنظر إلي فاحصاً ليعرف مدى صدق نيتي في الأمر ، ثم ابتسم في مزيج من الخجل والخبث وقال :
- حد يا بابا يدبح أخوه ؟ !
فلم يعد أمامي إلا أن أقول بالحزم الأبوي المناسب :
- طب قوم من هنا أحسن اكسر دماغك .
إذ أنه - من بين كافة المذاهب التربوية - لا يوجد أحسن من المذهب التقليدي القديم ، أم أن لك رأيا آخر ؟
- ماتروح تقعد في حتّه تانية ؟
فقد نظرت إلى الحديقة الواسعة ، ونظرت إلى نفسي - أنا الرجل الكبير - فرأيتني جالساً وحدي مع ذلك الولد الصغير في شكل اجتماع خاص ، وبدا لي أن منظرنا مضحك نوعاً ما ، حتى بالرغم من أن أحداً لا يرانا .
قال في إيجاز :
- أصلي عاوز أقعد معاك .
فأدركت أن الولد محتاج نفسياً إلى الجلوس معي ، لا بصفتي والده فحسب ، و إنما بصفتي رجلاً راجح العقل - بالنسبة له على الأقل - يمكنه أن يقدم له الرأي السديد ما ينير بصيرته ويفيده في مستقبل الحياة ، ومن أنا حتى أبخل عليه بهذه الفوائد الكبيرة ؟
قلت له :
- خلاص ، خليك قاعد ..
فابتسم في خجل لا لزوم له ، وأخذ يحك بنطلونه بظفره ليزيل بقعة وهمية . وخطر لي أنا خاطر مضحك فأخرجت النوتة من جيبي لكي أدون فيها ، وبينما أنا عاكف على ذلك أتاني صوته يقول :
- بص يا بابا .. كلب طاير !
وهي بالطبع ملحوظة كاذبة ، لاستحالة وجود كلاب طائرة أصلاً ، على الأقل في ذلك الارتفاع الذي يشير إليه بإصبعه . ولكنني نظرت إلى حيث أشار - مجاملة له - فلم أر أي كلب بالطبع ، ولكني رأيت سحابة كبيرة بيضاء تسبح في زرقة السماء الصافية .
- شفته يا بابا ؟
و هذا عيب العيال .. أنهم ينظرون إلى السحابة بلا مناسبة ويشبهونها بالأشياء غير الصحيحة .
قلت له :
- ده موش كلب يا مغفل ده أرنب .. خليك دقيق .
فتفحص الشكل الطائر فوقه ثم ضحك وقال :
- آه صحيح !
وهي ميزة في ذلك الولد ، أنه يقبل النقد بصدر رحب ويعرف متى يعدل عن آرائه .
سألني :
- تيجي ناكله ؟
فأدركت أنني يجب أن أرد النوتة إلى جيبي ، ورددتها ثم نظرت إلى الأرنب المقترح أكله ، وأصارحك بالقول بأن الفكرة أعجبتني .
قلت له :
- ياريت يابني .. ده كان يقضينا سنة بحالها ..
وكان تفكيري متجهاً إلى الناحية الإقتصادية ، ولكنه كان يفكر في شيء آخر ، إذ قال :
- وندي منه حتّه لعلاء .
علاء هذا أخوه الصغير الذي يكرهه كره العمى وفقاً للمبادئ الفرويدية ، ولذلك يريد أن يضحك علي وعلى نفسه بهذه النفحة من الكرم نحو الطفل ، علماً بأن اعطاء المذكور مجرد حتّه من هذا الأرنب ذي الحجم الخرافي يعتبر أقرب إلى البخل منه إلى الكرم ، خصوصاً أنه لن يأكلها لأنه ما زال يرضع .
وسكت الولد حيناً ، حتى ظننت أنه نسي الأمر و أنني أستطيع مواصلة أفكاري المضحكة ، ولكنه مالبث أن قال متسائلاً :
- بس ندبحه بإيه ؟
سؤال سخيف كما ترى ، ولكن ماذا أصنع بولد محتاج إليّ نفسياً !
- الأرانب كلها بتدبح بإيه ؟
- بالسكينة يعني ؟
- طبعاً .
فسكت مُفحماً ، وظننت من جديد أن الأمر قد انتهى ، ولكنه عاد بعد لحظات من التفكير يقول :
- بس نطلع له ازاي !
فخطر لي أن أشتمه ولكني أحجمت ، ورحت أفكر في أداة نتوصل بها إلى ذلك الأرنب الشاهق ، فلم أجد بالطبع أحسن من الطيارة ، الأمر الذي أثار عنده مشكلة جديدة .
سألني :
- ومين يسوقها ؟
- الطيارة ؟
- آه ..
- أي حد ..
- طب ما تسوقها انت ؟
- زي بعضه ، أسوقها .
فقال بعد لحظة من الصمت المستريب :
- انت تعرف تسوق طيارة ؟
- لا ..
- امال عاوز تسوقها ليه ؟
- أنا موش عاوز اسوقها . انت اللي عاوزني اسوقها ..
- أنا باحسبك تعرف تسوق
- لا ..
- امال مين ح يسوقها ؟
- نشوف لها سواق من هنا ولا هنا .
وبانتهاء مشكلة الطائرة وسائقها ظننت - لثالث مرة - أن حاجة الولد النفسية قد انتهت ، ولكنني كنت مخطئاً .
- بس الأرنب ده ( سألني ) نحطه فين ؟
وهو كما ترى سؤال يثير صعوبة كبيرة في الإجابة عليه من الناحية التربوية ، ولذلك اكتفيت بأن أقول :
- شوف الأرانب بتتحط فين ..
قال مستفسراً :
- في الحلّة يعني ؟
- طبعاً
- و احنا عندنا حلّة تساعه ؟
- نعمل له حلّة على أدّه .
- نعملها فين ؟
- عند بتاع الحلل ..
- ونشيل الحلّة فين ؟
- في التلاجة ..
- وإذا مادخلتش فيها ؟
- نفصل لها تلاجة على أدها .. وماتسألنيش نفصلها فين لأنك عارف .
- عند بتاع التلاجات ؟
- ايوه ..
فسكت ليتخيل الحجم المناسب لمثل تلك الثلاجة و أظن أنه أعجبه ، ثم قال وسفالة الأوغاد في عينيه :
- ونسكها بالمفتاح أحسن علاء ياكل الأرنب !
و هكذا اكتشفت أننا نسير في دائرة مفرغة ، وأن الولد ليس في حاجة نفسية لي أنا ، وانما إلى ما يمكن أن أساهم به في اغتياب أخيه الرضيع .
قلت لأريحه :
- تيجيش بدل ما ندبح الأرنب .. ندبح علاء ؟
فنظر إلي فاحصاً ليعرف مدى صدق نيتي في الأمر ، ثم ابتسم في مزيج من الخجل والخبث وقال :
- حد يا بابا يدبح أخوه ؟ !
فلم يعد أمامي إلا أن أقول بالحزم الأبوي المناسب :
- طب قوم من هنا أحسن اكسر دماغك .
إذ أنه - من بين كافة المذاهب التربوية - لا يوجد أحسن من المذهب التقليدي القديم ، أم أن لك رأيا آخر ؟
مجموع التعليقات 3
التعليقات
-
اضيفت بتاريخ 08-07-2009 الساعه 02:55 AM بواسطة ابوهايل
-
اضيفت بتاريخ 08-09-2009 الساعه 11:30 PM بواسطة زنوبيآ
-
اضيفت بتاريخ 11-23-2009 الساعه 09:39 AM بواسطة Mr.kaka














