مختارات ، للكاتب : محمد عفيفي
بعدَ عمرٍ طويلْ ..
اضيفت بتاريخ 07-11-2009 الساعه 10:11 PM بواسطة زنوبيآ
إذا كان فقدك لهذا العزيز أو ذاك - في ذاته - داهية من الدواهي ، فإن جلوسك لتلقي
العزاء فيه أدهى بكثير و أمر . إذ يدخل عليك المعزي إما حزيناً فعلاً ، و إما "لاوي بوزه"
إلى آخر ما تسمح به مقدرته على اصطناع الحزن ، ويجلس بجانبك قائلاً في لهجة
تراجيدية عنيفة .
- ده مش معقول .. أنا كنت قاعد مع المرحوم مافيش أسبوعين وكان كويس خالص
.. ايه اللي حصل ؟؟
فتروي له ما حصل ، كيف عاد المرحوم من الخارج و هو مخطوف اللون نوعاً ، وقال
لك انه موش عارف همدان كده ليه ، ثم طلب كوبا من الماء الساقع فشرب منه نحوا
من نصفه و إذا به - الكوب - يسقط من يده ، وإذا برأسه يميل على كتفه كأنه أغفى ،
وإذا به قد فارق الحياة .
- لاحول الله يارب ( يقول المعزي ) لاحول الله .. إنا لله و إليه راجعون .. شد حيلك ..
كلنا لها .
ويحني رأسه في اتعاظ حقيقي أو مبالغ فيه أو زائف أصلاً ، نحوا من دقيقة قبل أن
يأتي جديد من المعزين وقد لوى بوزه جهد طاقته لكي يقول لك :
- ده مش معقول .. أنا كنت قاعد مع المرحوم مافيش أسبوعين وكان كويس خالص
.. ايه اللي حصل ؟؟
فتروي له ما حصل ، كيف عاد المرحوم من الخارج وهو مخطوف اللون نوعاً ، وقال
لك موش عارف همدان كده ليه ، الخ . حتى إذا ما طرق المعزي برأسه في اتعاظه
الحقيقي أو المبالغ فيه أو الزائف نهض لكي يفسح مكانه للمعزي الجديد الذي أقبل
في لهفة يقول لك :
- ده مش معقول .. أنا كنت قاعد مع المرحوم مافيش أسبوعين وكان كويس خالص
.. ايه اللي حصل ؟؟
فتتمنى أن ترقعه بالقلم أو تخنقنه وترسله للمرحوم لكي يروي له القصة بنفسه .
ولكنك لا تستطيع بالطبع أن تصنع أي شيء من ذلك ، ولا تجد أمامك سوى أن تقول :
- ده رجع من بره لونه مخطوف شوية .. وبيقول أنا موش عارف همدان كده ليه ..
وتروي له القصة كما رويتها للذين من قبله ، وكما سترويها للذين من بعده ، حتى تأتي
عليك لحظات تشعر فيها أنت شخصياً أن لونك مخطوف شوية ومش عارف همدان
كده ليه ..
والغلطة ليست غلطة المعزين ، لأنهم بين رجل مهتم بالفقيد يريد أن يعرف كيف فقد ،
وبين رجل مضطر إلى هذا السؤال مخافة أن يبدو لك غير مكترث بالأمر فتزعل منه
وتحملها له مدى الحياة ..
فلذلك - اراحة لكل من الحزين و المعزين - أسوق هذا الإقتراح الذي مهما قلت فيه فلا
يمكنك أن تنكر انه اقتراح عملي :
بمجرد التأكد من وفاة الفقيد ، وقبل أن يبدأ توافد المعزين ، يستحضر الحزين مكرفوناً
ورجلاً يجيد الكلام فيه ( مذيعاً إذا أمكن ) فيقص القصة بكل التفصيلات التي تهم
المعزين ، ويجلسه بميكروفونه في ركن مظلم من أركان المنزل ، مكلفاً إياه بأن يبدأ
الكلام بمجرد اجتماع ثلاثة معزين في المنزل ، قائلاً :
- سيداتي وسادتي .. إنا لله و إنا إليه راجعون .. لعله يهمكم أن تعرفوا - بما عهد فيكم
من تعلق شديد بالفقيد - كيف ومتى ولماذا وقع ذلك الحادث الأليم .. فأما وقت الوفاة
فهو الساعة الثانية والنصف وسبع دقائق بالضبط . وأما سبب الوفاة فهو - حفظكم الله
و أطال بقاءكم - السكتة القلبية المفاجئة . وقد كان الفقيد في أتم صحة وعافية ،
بدليل أنكم كنتم معه جميعاً منذ أسبوعين ، ورأيتم كيف كان في أحسن حال ، واليوم
عاد من الخارج وهو مائل إلى الشحوب نوعاً ، فقال أنه لا يدري لماذا يشعر بأنه
همدان ، وطلب كوباً من الماء شرب نصفه ، فإذا به يسقط من يده ، وإذا برأسه يميل
على كتفه ، وإذا به قد فارق الحياة . رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته .
ويسكت المذيع ليشرب - هو - نصف كوب من الماء ، وينتظر دخول ثلاثة معزين جدد ،
ثم يتنحنح ويعيد تلاوة القصة من جديد .
إنها طريقة - لا يمكن أن تنكر - ذات فائدة مؤكة في إراحة الحزين من سرد القصة مائة
مرة لمائة شخص مختلف ، كما أننا نستطيع أن نضيف إليها عنصراً يريح المعزي من
واجب متعب له هو ، ونعني به واجب التفتيش في ذاكرته عن محاسن الفقيد لترديدها
على مسمع الحزين ، وتشغيل مخه - مخ المعزي - في اختراع عدد من المحاسن
الوهمية للمرحوم إذا تصادف عدم وجود محاسن حقيقية .
فما علينا لتحقيق هذا الغرض إلا أن نكلف المذيع سالف الذكر بأن يقول عقب روايته
لقصة الوفاة :
وقد كان الفقيد مثالاً للأخلاق العالية ، من كرم يضرب به الأمثال ، إلى شجاعة خارقة ،
إلى تقوى وورع وصلاح تكاد تصل به إلى مرتبة الولاية ... الخ
بهذه الطريقة نحقق الراحة للمعزي كما حققناها للحزين ، علماً بأننا نستطيع أن
نستخدمها في تحقيق فوائد كثيرة مختلفة بإختلاف أمزجة أصحاب الجنازة ، فإن كانوا
ميالين إلى الفشر فيكلفوا المذيع بأن يقول :
- وقد بدأوا منذ ساعات في حصر تركة الفقيد ، ووصل الرقم حتى هذه اللحظة إلى
مائة وستين ألفاً من الجنيهات .. ومانزال في انتظار آخر المعلومات .
فإذا كان أهل الميت يخافون حسد الحاسدين أو طمع الطامعين ، فما على المذيع إلا أن يقول :
- وقد توفي الفقيد مرهقاً بالديون التي تستغرق تركته وربما تزيد عنها ، وذلك بعد أن أضاع ثروته - رحمه الله - في الخير و الإحسان .
فإذا كان أهل الفقيد من ذوي الدخل المحدود فلعلهم يستطيعون - وفقاً لهذه الطريقة - أن يغطو مصاريف المأتم عن طريق الإعلانات التجارية ، كأن يكلفوا المذيع بأن يقول بين دقيقة وأخرى :
- وقد عاش الفقيد تسعين عاماً وهو في أتم الصحة ل أنه كان يعرف كيف ينتقي سيجارته .. دخن سيجارة كذا تضمن الحياة تسعين عاماً .. سجائر كذا تباع بسعر العلبة ....
_ نعم إنها طريقة مريحة ، و عملية مربحة .
مجموع التعليقات 2
التعليقات
-
اضيفت بتاريخ 11-23-2009 الساعه 09:40 AM بواسطة Mr.kaka
-
اضيفت بتاريخ 11-25-2009 الساعه 06:54 PM بواسطة عيون المها الفلسطينية













.gif)
