عيون العرب - ملتقى العالم العربي - عرض مشاركة واحدة - رماد عادت به سارة .. قصة للدكتور الحضيف
عرض مشاركة واحدة
قديم 03-20-2005, 03:05 AM   #2
ابوهايل
" إدارة عامة "
الحاله: ربي اغفر لي
 
الصورة الرمزية ابوهايل
ابوهايل

مقالات المدونة: 2

ابوهايل تم تعطيل التقييم

مشاركة: رماد عادت به سارة .. قصة للدكتور الحضيف

[align=right]خرجت تنوء بهم ثقيل .. وتبعها كاتب السجلات بورقة وقلم ، وطلب منها أن تكتب اعتراضها على الحكم . سألته بصوت واهن ، إن كان عليها أن تذهب إلى البيت ، وتكتب الاعتراض ، فأشار إلى مكان لانتظار النساء .. في آخر الممر ، ثم انصرف . عندما همت أن تدخل المكان الذي أشار إليه ، سمعت صوتاً يناديها :

- يا أخت .. يا أخت ..

التفتت إلى مصدر الصوت .. عرفته . إنه الشخص الثالث ، الذي كان موجوداً في مكتب القاضي ، حينما كانت تناقش ( الشيخ ) في موضوع ابنها .. وكان يجلس إلى جانب كاتب السجلات . وقفت تنتظر ، لترى ماذا يريد منها .. اقترب قليلاً وقال :

- السلام عليكم .. أنا كاتب عدل في المحكمة .. كنت موجوداً أثناء مجــادلتك للشيخ . اطلعت على قضية ابنك ، وأريد أن أنصحك بنصيحة .. لا تكتبي عريــــــضة استئناف ..

- لا أكتب ..! ابني مظلوم .. ثم من أين لي عشرة آلاف ريال ..؟

- أتفهم موقفك .. لقد اطلعت على القضية . خصومك أقوياء ، وقد استغلوا ثغرة في تقرير الشرطة .. واعتمدوا على تقرير المستشفى ..

- من يحمي الضعفاء أمثالي .. إذا كان خصومهم ( أقوياء ) إذن ..؟ ثم ما شأني أنا بتقرير المستشفى ..؟ انه مستشفى خاص .. لماذا يحملني القاضي فاتورة مستشفى خاص ..؟

- لا أريد أن أجادل في هذا كثيراً .. والوقت متأخر على ابنك . أنا بحكم اطّلاعي على تعقيدات المحاكم .. مشفق عليك ، وعلى الولد ..!

- لم أفهم ..

- ابنك .. بناء على حكم الشيخ في القضية ، سوف يخرج بعد أسبوع ..

- القاضي صمم الحكم ، لكي يغطي المدة التي أبقاه فيها في السجن .. بدون وجه حق ..

- ليس هذا ما أردت . الذي أريد أن ألفت نظرك إليه ، أن اعتراضك على الحكم ، يعني أن تحال القضية إلى قاضي التمييز .. ثم تعود للقاضي الذي حكم فيها، وهذا يعني شهرين على الأقل ، .. واحتمال نقض الحكم ، ضئيل حسب معرفتي .. هـــل فهمت ..؟

أطرقت قليلاً .. ثم وضعت الورقة والقلم على أول مقعد ، في غرفة انتظار النساء ، التي كانت تقف على بابها . شكرته .. وهي تتوجه إلى خارج مبنى المحكمة ، تدفع ابنها أمامها .

بعد العصر دق الهاتف . حينما ردّت جاءها الصوت من الجانب الآخر :

- السلام عليكم .. سارة ..؟

- نعم .. من الذي معي ..؟

- جواهر .. أم عمر . عسى الوقت مناسب ..؟

- يا هلا .. هذه الساعة المباركة ..

- زوجــــي رتب لكم زيارة لمنصور .. غداً الساعة العاشرة . سوف يمرّ سائقنا الــخاص ، في حدود الساعة التاسعة ، ليأخذكم إلى هناك ..

- الله يجزيكم خيراً .. ويجعله في ميزان حسناتكم .

لم تشأ أن تخبرها عن ( الحكم ) الذي صدر بحق ابنها ، أو النقاش الذي دار بينها وبين القاضي . كانت حريصة على أن ترى منصور .. وتبشره بقرب خروجه ، رغم أنها لم تتدبر .. حتى الآن ، المبلغ الذي حكم به القاضي ، مقابل الإفراج عنه .. ولا تدري كيف ستفعل ذلك ..!

استعدت ذلك المساء للزيارة . طبخت بعض الأكلات ، وحدثت إخوة منصور ، عن الزيارة المرتقبة ، وأعدت ملابس نظيفة ومرتبة ، ليقابلوا بها أخاهم .

حينما خلدت إلى فراشها ، بعد يومها المرهق .. تحدوها الآمال والأشواق لرؤية ابنها .. رأت في منامها ، كأنما منصور في سرداب مظلم .. طويل ، وسحابة قاتمة تطارده . كان يركض أمامها كالمجنون ،يمد يداً .. ويصرخ : أمي .. أمي . ظل يركض .. ويركض ، حتى ألجأته إلى باب ثقيل .. أخذ يهز الباب بعنف ليفتحه .. دون جدوى . أطبقت عليه السحابه ، وهو ما زال يمد يده .. ويصرخ : أمــي .. أمي ..!

كان صوته يتلاشى شيئاً .. فشيئا ، حين استيقظت من نومها فزعة .. مرعوبة ، أنفاسها تتلاحق .. وتشعر باختناق .

- ما هذا الكابوس ..؟ أعوذ بالله من الشيطان ..!

تتذكر أنها قبل النوم قد قرأت ( وِرْدَهَا ) ، وقبل ذلك .. كانت قد صلت الوتر ، وقرأت آية الكرسي والمعوذات . ظلت مستيقظة حتى الفجر .. قلقة متوجسة . بعد أن صلت .. نامت إلى حدود الثامنة . حين نهضت ، جهزت الأكل للأطفال ، وبعد تناولهم لإفطارهم ، ألبستهم الملابس التي وعدتهم أنهم سيذهبون بها لزيارة منصور .

جاءت الساعة التاسعة ثم العاشرة ، ولم يأت سائق أم عمر .. جواهر ، ولم تتصل هي أيضاً. بدأ يتسلل إليها القلق .. قررت أن تأخذ سيارة أجرة ، ولا تنتظر أحداً . حين وصلت الطريق المؤدية إلى السجن ، وجدتها مغلقة .. وكان هناك دورية من الشرطة، طلب أحد أفرادها من سائق السيارة الرجوع .. ولم تفلح محــــــــــاولاتها وتوسلاتها ، بإقـــناع العســكري ،السماح لها بالعــــبور .. ولم يستمع لرجاءاتها المتكررة ، بأن لديها موعداً مهماً لزيارة ابناً لها في السجن .. كان جامد الملامح تماماً .. !

عادت سارة تفكر بالطريق المغلق ، ووجه العسكري .. الجامد القسمات ، والرؤيا التي رأتها البارحة . كانت حزينة .. أنها لم تعـــد بنظرة ، تكحل بها عينيها ، من وجه مـنصور ..! أدار سائق الســيارة الــمذياع .. ربما ليبدد السكون . صوت المذيع جاء أجشاً مرتبكاً :

( موجز أخبار الساعة الثانية عشرة . شب حريق في السجن العام صباح هذا اليوم .. ) . لم يكن ثمة تفاصيل ، لكن المذيع بعد ذلك ، أورد تصريحاً لضابط كبير .. مفاده أنـه قد " تمت محاصرة السجن من جميع الجهات ، وأن الطرق المؤدية إليه تحت السيطرة " ..

أحست بوجع .. وحزن يشتعل ، وهبط قلبها إلى قاع جوفها .. تتذكر رؤيا البارحة :
منصور تحاصره السحابة القاتمة .. ثم تطبق عليه ..
صوت يتلاشى ، يدان ترتخيان .. وجرح يعوي في الأعماق[/align]

من مواضيع ابوهايل :

ابوهايل غير متواجد حالياً