عبدالله المغلوث
كم مرة شاهدت حوارا باسما بين امرأة سعودية وخادمتها الآسيوية في أحد الأسواق التجارية أو في أحد المرافق العامة أو الخاصة؟. سؤال يزورني كلما شاهدتهما في أحد الأسواق أو المتنزهات في السعودية وخارجها وهما يؤديان مشهدا دراميا لا يتغير.
فالمرأة الخليجية

اعتادت أن تنطلق في الأسواق تفوح منها روائح العطور والبخور والفرح،

بينما تبدو خلفها خادمتها تنبعث منها رائحة التعب والبصل وهي تحمل طفلاً وتدفع آخر تمتلئ عربته بالبكاء والأكياس التي ابتاعتها أمه.
هذه المشاهد المتشابهة أنجبت أطفالاً يقترفون الأوامر ويرتكبونها بفظاظة تجاه العمالة المنزلية فهم تربوا على بيئة تحط من منزلة من يقوم بعنايتهم ورعايتهم مما انعكس مبكرا على علاقتهم ببعض.
لذلك يجب ألا نستغرب عندما تطالعنا الصحف بأخبار يومية عن اعتداءات متبادلة بين الأطفال والخادمات كون العلاقة نشأت على نحو غير صحي.
بالطبع هناك منازل تعج بالاحترام المتبادل بين الطرفين لكنها محدودة مقارنة بالسواد الأعظم الذي يتعامل بازدراء مع العمالة المنزلية رغم الأدوار المهمة التي تضطلع بها.
ربما تحاصرنا السعادة عندما نشاهد امرأة سعودية تمضي منتصبة في سوق حاملة حقيبة فاخرة من LOEWE تتدفق منها علامات الرفاهية

لكن لا تلبث أن تذوب فرحتنا عندما نتصفح خلفها وجه خادمتها المسكون بالشقاء ويدها الملطخة بالأخاديد إثر الغسيل والعمل الدائمين.
لا نشعر بمرارة ما نرتكب تجاه هؤلاء البشر إلا عندما نسافر خارج الحدود، عندها تعلو الأصوات المنددة تجاهنا، حينما تتمدد قصصنا السلبية مع الخادمات على الصفحات الواحدة تلو الأخرى.
في منتصف يوليو العام الماضي، نشرت صحيفة"روكي ماوتن" الأمريكية تقريرا عن "استعباد السعوديين للخادمات"، تصدرته صورة من تصميم تيم ويليام يظهر فيها علم المملكة العربية السعودية على حائط ترتبط به فتاتان آسيويتان بسلاسل في إشارة إلى أسلوب المواطن السعودي في التعاطي مع خادمته.
بلا شك ربما تحفل بعض التقارير الصحافية بالمبالغات لكن أيضا تزخر بحقائق لا يجب أن ننحني أمامها بل يجب أن نواجهها باهتمام بعد أن نخلع الأفكار الرازحة في رؤوسنا على شاكلة أن العالم يضع يده على خده بحثا عن قصة تنال من مجتمعنا وسلوكياتنا.
صباح السبت الماضي تلقيت رسالة إلكترونية حملت مرفقا في جوفها تضمن مقطعا قصيرا صور بجهاز جوال يظهر اعتداء عامل هندي على فلبينية في حضور مراهقين سعوديين دون أن يحركوا ساكنا كأنهم وراء الجريمة كما بدا في المشهد وكما جاء على لسان المرسل أيضا. انتهى المشهد المؤلم الذي تلقيته صباح السبت الفائت لكنه لم يجف في رأسي منذ ذلك الحين. وقد نقلته شفهيا كما شاهدته لصديق بادرني لاحقا بسؤال بللني عرقا: "ألم يفكروا للحظة في موقف الفلبينية بعد الاعتداء عليها، ألا يخشون أن تنتقم، تسمهم، تقتلهم، تعذبهم أو أقاربهم؟".
يقدر عدد الجالية الفلبينية في السعودية بنحو 1.2 مليون شخص، وتشكل ما نسبته 15% من الوافدين في السعودية، و25% من عدد العمالة الفلبينية خارج الفلبين.
هذا الرقم الهائل من جالية واحدة يعكس حجم انتشار العمالة الأجنبية في بلدنا والتي يجب أن نتعاطى معها بقدر عال من الحضارة والعناية والحذر حتى تصبح خيرا وليس شرا..
هناك أيضا أخطاء ترتكبها العمالة في حق الوطن الذي ائتمنها على أبنائه لكن نستطيع تخفيضها بالتعامل الإنساني والمهني الذي يفرض منحهم الإجازات المستحقة والالتزامات بساعات العمل وتقاسم لحظات الفرح والحزن معهم حتى يشعروا أنهم جزء من المجتمع وعنصر فعال يحظى دوره بالتقدير والاعتزاز.
وقبل أن نكيل الاتهامات للعمالة المنزلية أو نسأل أن يحمينا الرب منها على رؤوس المنابر علينا أن نحميهم من أنفسنا، من أنانيتنا.
كيف نرغب أن يحبونا، ويخلصوا في عملهم، ولا يخطئوا في حقوقنا وهم أمضوا بيننا سنوات وربما عقوداً دون أن نتذكر حوارا باسما جمعنا وإياهم، كيف؟