آه ..كم أحب اللون الوردي.. كل شيء في غرفتي وردي اللون .. السرير ..الستارة ..المكتب.. منامتي..كل شيء ..كل شيء .. جلست على حاسوبي لأراجع أوراق بحثي قبل أن أقدمها للدكتور ،أتأكد من الحواشي .. و حجم الخط
..
الساعة الآن الثانية صباحاً ..غداً عندي جامعة ..لكن علي أن أكمل هذا البحث المأفون ...
أنا طالبة فنون في السنة الثالثة .. والمساق اللعين هو الشكل الظاهري للكائنات ..ليس تخصصي .. لكني أريد أن أنتهي من هذه السنة بسرعة ..فنصحوني به ..فأخذته لكنه فعلاً صعب ..الدكتور متطلب و يظن أن طالبات الفنون بلا عقل ..
عصافير بطني تزقزق..صوصوصوصوصوصو. . علي أن أسكتها .. ثلاجتي الصغيرة مملوءة بالمياه، المشروبات الغازية ، اللبن ، الحليبلا طعام فيها ..و أنا جاااااااااااااائعة ,,أتجه للمطبخ ،فأجده مغلق .. إنها بالتأكيد أمي .. فهي تحب أن تقفل كل شيء فيها فوبيا اللصوص..لا أظن أن هناك لصوص..لأن الشرطة في كل مكان .. فأي لص غبي هذا الذي يسرق هذه الأيام ..
لا زلت جائعة ... ماذا أفعل هل أنام بجوعي؟ فأنا لم أتعش بسبب انهماكي في البحث ..ليتني أكلت المكرونة اللذيذة بالباشميل ..أو حتىالأرز الصيني..
ازداد جوعي بعد تذكري لهذه اللذائذ..ليتني خزنتها في بطني..المخزن!! كيف نسيت؟ في المخزن هناك الفواكة و الخضار في الثلاجة الضخمة ..
لكن الوقت ليلا .. و أنا خائفة .. لماذا تخافين؟؟ لا لصوص ..فعلا ..
فتحت باب المنزل ..اتجهت للفناء ..انتبهت أنني حافية القدمين ..لا بأس ..لكن علي أن أنتبه للصراصير..وع وع آه ..آه ..أخيرا المخزن !! لكنها فعلاً ليلة ليلاء ..
فتحت الباب الحديدي الأبيض..فأصدر صريرا قبيحاً .. قلبي يرتجف ..أضع يدي على زر الإنارة ..و إذا بيد تمسك معصمي و تضغط عليها بشدة ..خفت ..فتحت النور..فرأيته ..
شاب في أوائل العشرينات ..جذبني من يدي و أمسك بي بشدة ..قائلا:
اسكتي.. ششششششششش .. اهدئي و لا تصرخي ..
و كأنه ذكرني بالصراخ ..فتحت فمي لأصرخ ..لكنه سدها بيده :
اسكتي لو سمحت يا آنسة و سأتركك..اهدئي...
قلبي يرتعش خوفاً.. و بدأت أرتجف ..و بدأ العرق يغزوني..و عضضته ..
آه يا لك من متوحشة ..فتاة متوحشة!!
دفعني بقوة أسقطني أرضاً ..و سد الباب الحديدي.. أغلقه ..ووقف أمامي ..
ابتعد عني !! ماذا تريد؟؟اهدئي..اهدئي ..سأقول لك ..
تذكرت قصص المغتصبين .. و بدأت أبحث عن أي شيء صالح لضرب هذا الرجل ..آه مزهرية قديمة.. تطاولتها ..و رفعتها في وجهه..مهددة..
تفاجأت بردة فعله .. أخذ يقهقه بصوت عال .. و يقول : شكلك مضحك بمنامتك المليئة بالورود و العصافير و الدببة ..و ما هذا ؟ أهذه رائحتك ؟ أمممم رائحة فانيليا ..شبيهه بالحلوى ..تحتاجين إلى من يأكلك يا حلوة..
أخذ يقترب مني خطوة تلو خطوة .. و الشراسة في عينيه مخيفة ..
و أنا أبتعد حتى التطم جسمي بالحائط ..مرتجفة..خائفة ..صرخت ابتعد .. يا قليل الأدب ..ابتعد ..
ضحك ..لن يسمعك أحد هنا ياحلوتي .. لن يسمعك سواي!!
و للحكاية بقية
قلبي يخفق بقوة .. جسمي يرتعد بخوف .. معدتي تتقلب باضطراب ..
و هذا ..هذا الرجل يقترب مني ببطء .. كأنه يريد أن يطيل عذابي ..
تأملته ..قذر .يرتدي قميصاً و سروالا..وسخين..وجهه أسمر خشن..تنبت أشواكاً صغيرةًمكان لحيته و شاربيه ..كث الشعر أجعده..يضيق عينيه ..و يطيل النظر..
بدأت بالتنفس بقوة ..ألهث بقوة ..بخوف ..ابتعد ..لا تقترب..
و كأنه يستمتع بالاقتراب... .رويداً ..رويدا .. تفوح منه رائحة السجائر ...
أتعلمين .. تبدين خائفة و كأني سأفعل بك سوءاً ..
ماذا تخرف أنت ..؟ماذا تقول ..لا تقترب..
أريد أن أفهمك أني لست من النوع الذي تظنينه ..
رفعت المزهرية ..لكنه أخذها بخفه ممسكاً يدي إلى أعلى ..
ثبت يدي على الجدار ..لست سيئاً صدقيني.. لست سارقاً ولا مغتصباً..
ماذا ؟؟ ويحي ..بسرعة رفعت رجلي و ضربته ما بين ساقيه ..فأفلتني ..
أخ!! أيتها الشقية!!
فتحت الباب بسرعة و أطلقت لرجلي المرتجفتين العنان ...
أمسك مرفقي :لا تخبري أحداً ..أبداً .. من أجلك عزيزتي الحلوة!!
و غاب في الظلام الدامس.. تركني في تلك الليلة الباردة و آثار أصابعه الساخنة لا زالت على منامتي الوردية الناعمة..
لم أخبر أحداً ..فعلاً .. دفنت هذه الحادثة في إحدى زوايا الذاكرة ..
أصبحت أخاف الليل .. أخاف الظلام ..
أنام و النور مفتوح ..
أكره اللون الوردي ..
أصحو فزعة من النوم .. أتخيله يمسك يدي مرة أخرىأتخيله في زوايا الغرفة المظلمة ..
ثم أهدأ قليلاً .....
و أغفو ....
بعد ارهاق..
×××××××××××××××××××× ×××××××××××××××××
أنا حقاً آسف لانتقالك ..فأنت أفضل سكرتيرة عملت لدي يوماًهذه شهادة أفتخر فيها يا سيدي..
لكنك تستحقين الترقية ابنتي !تستحقينها إلى متى ستعملين في هذا المتحف القديم؟بالتأكيد وزارة الآثار أفضل بكثير!!
أظن ذلك !!
بالتوفيق ابنتي!!
حملت شهاداتي و خرجت من أفضل مكان وأحب مكان إلى قلبي ..
ركبت سيارتي الصغيرة الحمراء ..و انطلقت إلى وزارة الآثار ..
مبنى حديث كبير..ضخم ..واجهاته زجاجية كبيرة عملاقة ..
دخلت إلى الداخل .. الجو لطيف جميل بوجود التكييف .. سألت عن مكتب المدير العام ..فجاءت معي إحدى الموظفات..و في المصعد:
أنت سكرتيرة المدير الجديدة ؟نعم!
و أين كنت تعملين سابقاً ؟في المتحف !
ذلك المتحف التعيس ؟لو سمحت ! احترمي نفسك !
يا للوفاء!!
لن أشرفك بالرد عليك!!
دلتني إلى المكتب بتكبر .. فعرفت بأنها حسودة ..كانت تريد الوظيفة لها ..
قابلت السكرتيرة القديمة فرحبت بي قائلة:
سامحيني .. فأنا لا أستطيع أن أقف إلا بعد جهد..أنا سميرة ..
وقفت فاكتشفت أنها حامل في الشهر الأخير ..سألتها مشيرة إلى بطنها المنتفخ:و الاستاذ؟الأستاذ طفل الذي جعلني أتنازل عن هذه الوظيفة!!
وضحكنا معاً فاكتشفت أنها انسانة رائعة ..
المدير ينتظرك ....تفضلي ..
عدلت هندامي .. طرقت الباب و دخلت ..
رجل كهل .. يجلس على مقعده بترقب ينتظر الوافد الجديد..
أهلا ..أهلا ..تفضلي ..
أشكرك سيدي.. تفضل الأوراق ..
ليس هناك داع للأوراق فسمعتك سبقتك .. أريد أن تتعلمي من سميرة روتين العملحاضر سيدي..
لكن ليس الآن دعي الأستاذ موسى يعرفك على الوزارة فهو مساعدي الشخصي ..
التفت نحوي مبتسماً .إنه هو ..أقسم أنه هو ..
رجل المخزن ..هو!!
و للحكاية بقية
(لست سيئاً صدقيني.. لست سارقاً ولا مغتصباً..)
هو ..إنه هو ..لكن نظيف ..مرتب .. أكبر سناً .. أكثر نضجاً..
(لا تخبري أحداً ..أبداً .. من أجلك عزيزتي الحلوة!!)
انتفضت ..من الذكرى المنسية ..أوقعت الأوراق بلا قصد ..
فتناثرت كما أوراق الشجر في وقت الخريف ..
اقترب ..ململماً أوراقي .. مبتسماً ..كأنه كان يتوقع ردة فعلي العنيفة..
متى أصبح بهذه الوسامة ؟؟!!
..وجهه حليق ..شعره أسود مصفف بعناية ..تفوح منه عطر فرنسي راق ..
تمتم المدير بشيء ..لم أسمعه كل ما سمعته هو صرير الباب ..أصوات صراصير الليل الخافتة ..
(اسكتي.. ششششششششش .. اهدئي و لا تصرخي ..)
تذكرت الموقف دفعة واحدة .اقترب هامساً. : لا زالت رائحتك كالفانيليا ..
فارتجفت ..يا إلهي لا زال يتذكرني ..قد يقتلني ..هذا إنسان مجنون !!
و ما هذه النظافة و المركز إلا أقنعة يلبسها أمام الناس ..
لا أحد يعلم حقيقته سواي .. المجرم..
نظرت إليه نظرة بدائية ..خائفة ..أنا خائفة منه حتى الموت ..
بدأت بالارتجاف .. رعشة تلو رعشة .. و انتفاضة تلحقها انتفاضة..
بحثت عن كرسي ..تهاويت عليه ..
يظهر أن الآنسة مرهقة ...لحظة سأجلب لك كأساً من الماء!!
وضعت يدي على جبيني .. حاولت أن أسترخي .. تنفست بعمق ...فرد فعلي فيه هستيرية بعض الشيء...
الماء ..يا آنسة!!
نظرت إلى يده العملاقة ..تلك التي أمسكتني ..هددتني .. خوفتني..و أرهبتني ..
أمسكت بالكأس ..فلمس يدي ..لمسة خفيفة كالريشة ..أيستطيع أن يفعل هذا ؟أيستطيع هذا المجرم على كل هذه الرقة ؟؟!!.. لا بد أنني أهذي ..
حسناً ..يا آنسة ..أظن من كلامي قد فهمت أساسيات عملك!!
هززت رأسي كالمخبولة ..فأنا لم أفهم كلمة مما قالها المدير ..
أقسم أن أريك أيها المجنون!!
هيا يا أستاذ موسى أر الآنسة وزارتنا ..
ابتسم بخبث: يسرني فعل ذلك!!..
التفت نحوي ناظراً إلى أعماقي ..فأحسست بالرعب!!
أشار إلى الباب منحنياً بمنتهى الأدب و اللطف و الكياسة :
تفضلي يا آنسة!!
الكاذب ..المخادع ..الحقير..ال(×××××)
رفعت رأسي مختالة ..لن أخاف من هذا الرجل ..ليس بعد اليوم ..فهذه الوظيفة مهمة و لن أخسرها بسببه..
من هنا يا آنسة ..
أخ أحس بالغباء .. و السذاجة .. أنا لازلت جديدة في المؤسسة و أمشي على هواي غيرت وجهتي ..و اتجهت إلى المصعد ..
طبعاً.. طبعاًوقفت بعيدة عنه ..أنظر إلى أصابعي ..أحس أنه ينظر إلي مبتسماً برقة .. لكني لن أشرفه بالنظر إليه ..
تعالي يا آنسة..
دخلت معه المصعد ..فاكتشفت وجود فتاة ..تتلاعب بعلكتها ..تريد أن تلفت نظره إليها..طخ طخ طوخ طيخ..لكن بلا فائدة ..فهو ينظر إلي بإصرار .. و أنا أكتم ضحكاتي التي أبت إلا أن تخرج..
أهناك شيء يضحك ..؟أرد عليها تلك الكومة من المكياج الثقيل و الشعر المنفوش..لا أبداً..
تتصنع الوقوع ..و يا سبحان الله تقع أمامه مدعية انكسار كعب حذاءها ..يجفل ..يمسك بها ..و هي تتأوه ..ثم تغمز له ..فيتركها متقززاً ..
طخ طخ طوخ طيخ ..أنا آسفة ..لم يكن قصدي يا موسى ..أوه قصدي أستاذ موسى..
يفتح المصعد فتخرج..غامزة..
ينظر إلي مبتسماً : يا إلهي .. اضحكي ..اضحكي ..
فانفجر في الضحك غير قادرة على السيطرة على ضحكاتي المتطايرة ..
و يضحك هو خافضاً رأسه للأسفل .واضعاً يده أسفل رأسه ..خجلاً..
أنظر إليه ..أيخجل مثل هذا؟؟ينظر إلي .. أترين ما أعاني في هذا المكان!!؟؟أنظر إليه بقسوة :أمثالك لا يعانون أبداً!!
ينظر إلي غاضباً : سأجعلك تعانين ..تذرفين دموعك الغالية علي!!و سأذكرك ..
و الآن تعالي لأريك الوزارة..
أمسكني بعنف من معصمي..أحاول أن أفلت يدي فلا أفلح ..
أنا قلت هذا متوحش..مجنون ..بلا عقل ..
و للحكاية بقية
سأجعلك تعانين ..تذرفين دموعك الغالية علي!!و سأذكرك
..
وهذا برنامج (الأكسس) تعرفينه بالطبع أليس كذلك؟؟!!!
هااه ... بلى.. بلى.. أعرفه..أنا آسفة يا سميرة حقاً ..لا أعرف ما بي..
لا عليك ..سأعطيك كلمة السر التي تخولك الدخول إلى الملفات الخاصة ..
أممم....آهااا..حسناً .... (المجنون ..الأبله..دائماً يجعلني أفكر بكلماته..)
عوفيت ..عزيزتي ..أنت حقاً ماهرة ..!! لقد أحسن السيد موسى بترشيحك!!
ماذا؟؟ السيد موسى هو الذي رشحني..؟نعم ..و أصر عليك !! والآن أعرف السبب فأنت رائعة!! رائعة!!
وضمتني ضمة حنونة.. سحقت فيها وجهي ببطنها المنتفخة ..
نظرت إليها باسمة : هيا لنكمل !!
هيا..ألو..نعم سيدي..حسناً ..حاضر .. سأقول لها..
حبيبتي ..المدير يأمرك أن تجلبي ملفاً من العلاقات العامة ..آه اسم الملف ..الشكاوى و المقترحات..
حااااااضر ..و انطلقت بسرعة إلى العلاقات العامة ..استقليت المصعد ..ضغطت على الطابق الأول..و انتظرت ..
انفتح باب المصعد ..ودخلت ..
طخ طخ طوخ طيخ ..إنها هي صاحبة العلكة الصاخبة ..نظرت إلي شذرا ثم فعلت مالا أتوقع أوقفت المصعد و اقتربت مني صائحة:
إنه لي .. أتسمعين؟؟ هو لي .. لن تجذبيه بهدوئك و برودك .. و نظراتك المكسورة ..الجريئة.. يا بريئة .. يا قمة في البراءة و الطهر و العفاف ..
ثم أمسكت بخناقي : اقتربي منه و سأريك.. امشي بجانبه و سأريك ..
طخ طخ طوخ طيخ أفهمت الدرس ؟؟ظنت أني سأخاف منها أو من أشكالها..
رددت عليها ببرود : هو لك ..فأبعديه عني ..فإنه ملتصق بي ..لا أعلم لماذا؟ ربما يهرب منك!!
نفخت أنفها و خرج دخان من أذنها : يا حقيرة يا(××××) يا(×××××) سوف أقتلك!!
(أهناك مشكلة ..يا من في المصعد )..إنه الشرطي ..يتكلم من المذياع ..
أضغط على الزر قائلة : لا سيدي ..ليست هناك أي مشكلة!!!
نظرت إليها بتعال ٍ ..و انطلقت إلى العلاقات العامة!!
دخلت القسم ..فتعالت الهمسات ..نعم إنها هي ..حسناً لكنها جميلة .. أرأيت كيف ينظر إليها ..ألا تعلمين ذلك ..هو من توسط لها لتعمل هنا..لا ..لا أصدق..
يا إلهي..كأنها Cnn سميت باسم الله و بلعت ريقي .. ودخلت إلى الغابة المسماه العلاقات العامة ..مرحباً صباح الخير أنا شقراء سكرتيرة المدير العام ..أرسلني إليكم لأنه يريد ملف الشكاوى و المقترحات ...
تفحصتني ببطء ..و أسنانها الصفراء تبتسم ابتسامة مثل لون أسنانها القبيح:
أعلم من تكونين يا شقراء ..ها هو الملف..تفضلي ..
آه شكراً سيدتي..
العفو حبيبتي..لكن ما تخصصك ياحلوة..
باستغراب : تخصصي؟؟ ..أنا سكرتيرة ..تخصصي الطباعة و الاختزال..
لا يا شقراء أنا أعرف أنك تركت كلية الفنون ..و أخذت دورة في الطباعة و الاختزال.. ما الذي قلب عالمك ؟؟لو سمحت ..يكفي .. لا تتدخلي فيما لا يعنيك ...
لكن..
هذه حياتي و أنا حرة فيها..عن إذنك!!
وهربت من هذه السيدة الجاسوسة ..ما أدراها بي أو بتركي لكلية الفنون؟؟؟ و لم أحس إنني تحت المجهر في كل لحظة في هذه المؤسسة الكريهة.. كيف حالك الآن يا سيد صابر؟؟ و كيف هو المتحف الرائع؟؟!!
لن أستقل المصعد!! لا أريد أن أرى صاحبة العلكة الصاخبة .. حملت الملف ..و خرجت من باب كتب عليه (خروج) ..صعدت السلالم ..و رائحة السجائر الخفيفة ..تداعب أنفي..إذن هنا يدخن الشباب؟؟ لا بأس!!
كح..كح..ازدادت حدة الرائحة..كح..كح.. أهناك من يدخن هنا؟؟ سحابة بيضاء ضخمة ..فوق رأسي ..تتحرك و تذوب في الهواء ..من مصدرها..يا ترى؟؟بقي دور واحد و أصل!! من؟؟ موسى !! وجدته جالساً على السلم ..يداعب السيجارة بأصابعه قائلاً: أهلاً ..معذبتي!!
و للحكاية بقية!!
إييييييه!! إلى أين وصلت؟؟
أجفلت .. لم أصل إلى أي مكان !! لكن إن أردت سأصل معك إلى أي مكان!!
يا لك من أخت حبيبة!! أنا أريد أن أذهب إلى البحر!!
و نشتري (الأيس كريم) ؟؟نعم ..نعم ..هيا يا شقراء..هيا!!
جلبت لي عفراء - أختي – العباءة و غطاء رأس ..فلبسته ..كذلك هي..
شغلت سيارتي الصغيرة ..صرخت : ضعي الإف إم ..أريد أن أسمع ..
طيب ..طيب .. أختي تتفجر طاقة و حيوية ..فهي لا زالت صغيرة!!
تأملتها ..نعم هي تشبهني إلى حد كبير .. بعيونها الكبيرة أنفها المتوسط و فمها الممتلئ لكن حب الشباب يلتهم وجهها الصغير البريء .. و تقويم أسنانها يجعلها أشبه بصاحب الابتسامة المعدنية!!
أحبها كثيراً ..هي تتراقص على أغنية شبابية ..ترددها و تعلي صوتها .. فأنتشي معها..تصفق فأضحك..تمثل الكلمات ..فأنفجر ضحكاً..كفى ..كفى يا عفراء ..لا أرى الطريق من الدموع ..أرجووك ..
الرطوبة ..إني أموت من الرطوبة!! لكن الجو لطيف!! و البحر رائع .. و برج العرب يتألق بألوان قوس قزح .. جلست على رمال الشاطئ الناعمة .. أما عفراء فكانت تلاحق الأمواج المتكسرة.. الأيس كريم البارد في يدي.. أرى البحر .. و القمر المنعكس على صفحته.. و أفكر في موسى ..
لم يناديني بمعذبته ..ماذا يقصد بذلك؟؟أهلا بمعذبتي!!
لو سمحت أستاذ موسى ..
اششششش..اسكتي..لا تتحدثي ..معذبتي..يكفيني وجودك..هالتك ..
تنحيت عنه و مررت بجانبه مسرعة ً ..
أمسك بطرف ثوبي قائلاً: إلى أين تظنين نفسك ذاهبة؟؟ما تفعله أمر مناف للأخلاق !! ألا يكفيك ما فعلت!!
لا عيب في الحب يا شقراء..
الحب من جهة واحدة يا أستاذ موسى ..فأنا أكرهك!! نعم أكرهك!!لقد دمرتني !! تلك الحادثة تركت في نفسي ندوباً لا أظن أنني سأتعافى منها!! أبداً !! و أنت كالكابوس أمامي .. في العمل في المنزل في أحلامي.. اعتقني ..و اترك ثوبي!!
أبداً لن أتركك!! أنت النور في حياتي!! أنت من أعطتني سبباً للعيش و المحاربة من جديد .. لن أتركك تفلتين مني أبداً.. أبداً..
شقراء!! لقد ذاب الأيس كريم .. انظري إلى يدك!!
آسفة ..لا أعرف ما بي ..كم الساعة الآن .. ويحي لقد تأخرنا ..استعدي للمحاكمة من الوالدة..
هي هي.. نحن بنات شقيات!!جداً!!
أهلا .. معذبتي.. ذاب شوقي ..و أنا أبحث عنك ..هنا بقربك!!
اسمعيني..افهميني.. لا تسدي أذنيك ..عن ألحاني ,, M
حذف الرسالة؟ أتأمل الجهاز البارد!! و يتأملني بصمت ..ينظر إلي عاجز!!..كأنه يقول: ماذا تريدين مني يا سيدتي..تدللي فأنا تحت أمرك!!
أنظر في الشاشة !! لا أعرف ما أفعل ؟؟هل أحذف رسائله المبللة بالشوق و الحنين؟؟هل أحذف كلماته التي ترسل أنغاماً إلى روحي ؟؟هل أحذف همساته الدافئة ؟؟لا أعلم!! غموضه يسحرني ..يجذبني نحوه..
كيف مثلي يعطي له سبباً للعيش؟ و المحاربة؟لا أعرف!! لا أفهم!! لا أدري!!
يالي من محظوظ!! أأزورك في حلمك؟؟أحلام وردية ..نسجتها معذبتي بحرير الهوى .. و مخمل الشوق.. M
الذاكرة ممتلئة تقريباً...حذف الرسالة؟نعم !!
شقراء .. ابنتي .. اجلبي لنا بطيخة .. لنتسلى بها .. هيا ابنتي..
حااااضر أمي !!
اتجهت نحو المخزن ..نعم ..ذاك المخزن ..المخزن الذي لا زال سبب آهاتي و آلامي ..المخزن الذي أرقني ..ليال طوال ..المخزن الذي كلما دخلته ..رأيته ..رأيت طيوفه..لا أريد أن أذهب!! لا أريد أن أتذكر!!
خطوة للأمام.. خطوتان للخلف ..انتفاضة تسري في جسدي..و أنفاسي تتلاحق ..
أفتح الباب المعدني الأبيض..ببطء.. أضع يدي بسرعة على زر الإضاءة ..
أفتح النور .. أختلس النظر.. أوه الحمد لله ..لا أحد ..كله خيال ..الحمد لله .. أفتح الثلاجة.. فتلفحني بهواء بارد معطر برائحة المشمش و البرتقال .. أبتسم .. أخرج بطيخة خضراء لامعة .. أنقر عليها ..نعم هي هذه .. أحملها بكلتا يدي ..
أحاول أن أغلق الثلاجة بساقي ..لكنه يغلق الثلاجة هامساً : مرحباً معذبتي!!
أوووه لا ..ليس مرة أخرى ..أصدم ....أوقع البطيخة فيمسكها بسرعة ..
ما بالك شقرائي .. كلما ظهرت أمامك توقعين ما بيدك؟ابتعد عني ماذا تريد؟لا شيء فقط أن تسمعي حكايتي ..
و كيف غيرتي دنياي ..
و للحكاية بقية
تربع فوق ثلاجة التبريد المنخفضة الارتفاع..جلست على قدر قديم مقلوب..رفعت رأسي ناظرة إليه ..الفضول يتآكلني .. ماذا يقصد ؟؟؟
آه ..لقد جلست .. شرفتيني.. وجلست تستمعين إلي ..لا ..لا تذهبي ..اجلسي أرجوك ..
تنفس بعمق ..سانداً ظهره على الجدار ..عض شفته السفلى و كأنه يريد أن يمنع الكلام من الخروج.. نظر إلى السقف مفكراً ..نظر إلي .. و ابتسم ابتسامة خجلى..
نظر إلى أصابعي قائلا: آخر مرة زرت فيها هذا المكان كنت محطماً ..أبحث عن مأوى بعيد عنها ..إلى نار بعيدة عن جنتها..
أتعلمين أنني تألمت لهجرانك كلية الفنون؟ لتركك موهبتك الجميلة بسببي..
أنا آسف يا شقراء ..أنني فعلت هذا بك ..
كم كان يؤلمني أن أرى الضوء مشتعلا..كنار شوقي ..في غرفتك ..حتى الصباح ..
كم يؤلمني ..أن يناديك أهلك باسمك و لا أستطيع أنا ..
لحظة!! ما أدراك أنت بكل هذا؟لقد كنت دائماً معك ..أنظر إليك ولو من بعيد ..أفرح لضحكك مع صديقاتك ..
أحزن ..عندما أراك مثقلة بالهموم..
حبيبتي أنت ..هوائي .. ومائي..
نعيمي و شقائي..
شقراء يا شقراء ..أين أنت ..
يا إلهي هذه أختي..اختبئ..
أمسك بمعصمي بعنف..عديني..بأن ألتقي معك..عديني!!
أعدك ..أعدك ..اتركني .. افلتني..
وخرجت إلى أختي لاهثة ..
أين أنت ؟ لقد قلقت عليك ..
أنا هنا ..كذلك البطيخة!!
لقد قلت لأمي لا ترسلك للمخزن .. أنك تكرهين المخزن ..لكنها لم تصغ ..
لا بأس..لا بأس!! ادخلي أنت الآن..
نظرت باتجاه نافذة المخزن فرأيته ينظر إلي ..يحفر عميقاً داخل روحي ..
و كنت أول من صد عنه..
نظرت إلى معصمي الملطخ بأصابعه..وضعت أناملي مكان أصابعه ..علني أشعر بنبضه و دفئه..
يا إلهي ما بال معصمك؟؟لا شيء يا سميرة .. مجرد ضربة خفيفة!!
أي ضربة خفيفة؟ انظري إلى الكدمات الزرقاء أراهن أنها مؤلمة!!
صدقت في رهانك .. سميرة؟؟ ما بالك؟؟لا شيء إنها التقلصات ..كما تعلمين ... فالصغير يلعب كثيراً بالداخل..
ألو ..نعم سيدي .. حاضر ..
دخلت إلى المدير ..كالعادة بيدي ..ورقة و قلم ..مستعدة لكيل الأوامر التي سيقولها ..
تك..تك..تك..
تفضل..أهلا بك يا شقراء ..تعالي اقتربي ..
نعم ..سيدي ..
و اقتربت منه ..
هلا جلست ابنتي ..
ما الأمر سيدي ؟ ..لعله خيراً ...
كل الخير ابنتي ..كل الخير .. كما تعلمين..فنحن ننظم رحلات تراثية للعاملين بالوزارة ..و قد وقع اختياري ..عليك..
هذا يسعدني سيدي لكن سميرة متعبة و المكتب بحاجة إلي ..
ابنتي ..لقد أغرقت نفسك بالعمل .. و أريدك أن تسترخ قليلاً قبل أن تضع سميرة مولودها ..أنت تعرفين رحلاتنا .. و هذا جدول الرحلة .. أريدك أن تبدين رأيك في الرحلة و ما الأساليب التي يمكن بها أن نطور خدماتنا ؟ ما مقترحاتك للرقي بهذه الرحلات ؟ وهل نعممها على الجمهور..؟فهمت سيدي أنت تريد دراسة عن الرحلة .. أليس كذلك؟لا عاش من أهان ذكاءك..
أشكرك يا سيدي ..
خرجت من المكتب فرحة منطلقة .. وجدت سميرة جالسة على جهاز الكمبيوتر تطبع شيء ما .. قلت لها منتشية: لن تحزري !!
ماذا ؟؟ هيا قولي لا تكوني سخيفة!!
لقد رشحني المدير للرحلة !!
مبرووك حبيبتي لكن احترسي من الفك المفترس!!
ومن الفك المفترس ؟كأنك لا تعرفيها ؟ لينا طبعاً !!!
صاحبة العلكة الصاخبة ؟نعم - وقلدتها سميرة – طخ طخ طوخ طيخكفى سميرة أرجوووك ....ها ها ها ها ها ..
ثم فجأة وقفت سميرة ..ناظرة إلى الأرض خجلة ..آسفة يا سيدي..
التفت فوجدت موسى عاقداً يديه على صدره ..متكئاً على الباب .. ناظراً إلي بخشونة و قوة ..كأنه شخص مختلف عمن كان معي البارحة.. ضعيفاً هشاً ..
من أين أتى بهذا الجبروت ..أشعر بالخوف منه ..فلا زلت لا أعرفه..أتصبب عرقاً قائلة : أنا آسفة ..
قلت للمدير من الخطأ أن يجمع امرأتين في مكان واحد .. هذا المكتب الهادئ سابقاً .. أصبح مقهى للحكايات و الضحكات ..
يا إلهي ..أشعر أني رجعت ست سنوات إلى الوراء عندما كانت المعلمة تمسكنا بالجرم المشهود و تعنفنا ..
اجلسي يا سميرة ..فهذا ليس خطؤك ..نظرت إلي سميرة .. عاجزة ..تريد مساعدتي و لا تقدر..
و أنت يا آنسة تعالي أريد الحديث معك و خرج متوقعاً أن ألحقه..نظرت إلى سميرة و أشرت لها بأني سأموت ..وضعت يدي على رقبتي و أخرجت لساني..
كتمت سميرة ضحكتها .. و لحقته ..طرق باب مكتبه و دخلت ..
كان جالساً كالأسد الرابض ..المستعد للهجوم في أي لحظة .. كسر نظراتي الصغيرة بنظراته الهجومية هادراً:
أيمكن أن تشرحي لي ما رأيته في الخارج ؟لا شرح لدي !! و كل ما أستطيع قوله ..أنا آسفة ..لكنك ..
ماذا؟تتنصت علي وسميرة و هذا ..هذا خطأ..
أوووه ..حقاً ..لمعلوماتك لم أتنصت عليكما بإرادتي .. كنت ذاهباً إلى المدير العام فسمعت المهزلة..
لا أسمح لك ..لا تتطاول ..
شقراء ..لا تجعليني أغضب ..
حقاً ؟؟ وماذا ستفعل؟؟هل تريدين حقاً أن تعرفي ..
جلست في الحافلة مستعدة للرحلة .. حقيبة سوداء بها كتاب (كيف تصنع نجاحك ل: عبد اللطيف العزعزي ) ..قارورة ماء ..كاميرا رقمية ..دفتر صغير و قلم .. بسكوت مالح .. بعض أقراص الأسبرين ..بعض المناديل الورقية و المبللة
...
تهيأت للرحلة بعباءة قديمة .. غطاء رأس مزركش .. حذاء رياضي ...
جلست في وسط الحافلة ..وضعت الحقيبة بجانبي ..لأطرد كل من يفكر بالجلوس بجانبي ..فلست مستعدة للكلام أو وجع الرأس ..فأنا أعاني منه أصلاً ..
تنهدت و أنا أرى الموظفات و الموظفين منتشين فرحين ..و أعرف أني كنت سأكون مثلهم لولا ما حدث!!
صاحب الوجهين .. يكذب علي ..كثيراً ..و أنا التي كدت أن أصدق أنه مسكين و مظلوم !! يالي من ساذجة!!
لا أريد أن أفكر به ..أين الكتاب هاهو ..أفتح الكتاب ..أقرأ العبارة : ( كيف يمكنني أن أصنع نجاحي؟؟) أحاول أن أركز في الكتاب .. فالكتاب رائع ..لكني لم أفعل ..وجدته في أول صفحة ينظر إلي .. أهز رأسي كي يبتعد عن خيالي ..
فيأبى إلا أن يحتله ..
تذكرت ما حدث في المكتب .. كان ثائراً ..غاضباً ..هائجاً ..متسائلاً:
هل تريدين حقاً أن تعرفي ..
لا .لا أريد أن أعرف !! لا تقترب أكثر !!
وإن كنت نسيت طعم ضربتي فسأضربك ثانية!!
لا زلت أرى في عدوانيتك ..جاذبية لا تقاوم!!
لقد جننت فعلاً نحن هنا في مكان العمل يا أستاذ موسى !!
لم أعد موسى العاقل .. منذ أتيت إلى هنا ..تحولت إلى العاشق.. الذي لا يستطيع أن يبوح أو يقول ..فيغضب ..ويزداد غضبه لأتفه الأسباب..
أنا لا أفهم ..لا أفهم شيئاً ..!! لا أفهم غضبك ..لا أفهم عقلك ..
ليس المهم أن تفهمي المهم أن تشعري ..شقراء .. هل تشعري بي ؟ هل تحسي بنبضات قلبي؟لا أعلم !! فأنا مشوشة .. كلما أحاول أن أقترب منك ..تبعدني عنك بوحشية!!
أنا أبعدك عني؟؟ كيف ؟؟بتصرفاتك الغريبة ..فحينا أنت الضعيف ..المسكين ..الضحية ..و أحيانا أنت القوي المسيطر ... أنا لا أفهمك يا موسى و لا أظن أني سأفهمك في يوم من الأيام..
أهكذا ترينني ؟؟ أهذا أنا بالنسبة لك .. المجنون صاحب التصرفات الهستيرية؟ .. لقد خاب ظني فيك و في فطنتك ....
نكس رأسه ..ينظر إلى الأرض .. التفت إلي ..بدموع لم تسقط من مآقيها .. ..
صارخاً :اخرجي!!
و أنا الآن هنا في الحافلة .. أفكر فيه .. و في جرحه .. علي ألا أفكر فيه .. فمثله لا يستحق أن ..
مرحباً أيها الأبطال!!
إنه هو مبتسماً ..مرتدياً قميصاً صيفياً قصير الأكمام و سروالاً من الجينز..
أهلا بكم إلى الرحلة الصحراوية مع مشرفكم ..موسى ..
تصفيق حاد مع صفير .. و تشجيع ..
برنامجنا اليوم حافل ..فهيا باسم الله نبدأ نعدكم للتأكد من العدد..
واحد..إذن هو مشرفنا ..
اثنان ..لم أكن أعلم ..
ثلاثة ..و لو كنت أعلم ماذا سأفعل!!
أربعة .. هل سينظر إلي؟خمسة ..هل سيسامحني؟ستة .. لم أكن أقصد أن أجرحه!!
7
.
.
8
.
.
9
.
.
.
.
.
.
25
أفهم من ذلك أن العدد كامل ..
هيا لنقول دعاء الركوب : سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين ..
و إنا إلى ربنا لمنقلبون..
طبعاً الرحلة ستستغرق ساعة ونصف .. و هذا إهداء مني ..لكم..
و خزني بنظرة شاردة كأنه لم يرد أن ينظر إلي.. كأنها نظرة خرجت منه غصباً ..
بلا إرادة ..
وضع في المسجل شريط بدأت الشّلة الناعمة :*
يا شجون القلب لو تدري .. كم قلب يعشق عيونكبك مولع يا بعد عمري .. ومن جمالك صرت مفتونكحبكم بالدم بي يجري .. ولا أريد العمر من دونكلك عيون حسنها يغري.. و الشعر يضفي على متونكيا الغلا يا حبي العذري ..كيف عني تخفي شجونكيا نسيم الصبح و الفجر ..قل لها إني حرت في ظنونكدقات قلبي تتسارع ..حرارة جسدي ترتفع ..وجهي يحترق ..ماذا يقصد بهذا ؟؟لا أظن أنه يقصدني ..علي ألا أتعلق بشباك الوهم
..مللت وحدتي ..علي أن أكسرهانظرت إلى إحدى الفتيات ..فإذا بها تقول ..هاااي ..تعالي..تعالي .. حملت حقيبتي و ذهبت إليها ..اسمها سامية و تعمل في قسم البحوث و الدراسات ..مضحكة ..دمها كالعسل ..لم أجد نفسي معها إلا ضاحكة مقهقهة ..و ضعت حزني على الرف .. و ضحكت معها بهستيرية..
و بعد موجة من الضحك الصاخب ..معها ..وجدت دموعاً تتساقط من عيني و بطني يؤلمني من الضحك ..كفى ..كفى .. أرجوك يا سامية..
نظرت بلا قصد ..إليه .. ذابت ابتسامتي ..عبست ..ينظر إلي غاضباً ..وجهه محتقن .. كأنه يقول : كيف تحلو لك ابتساماتك ؟ كيف تعلو ضحكاتك؟ليس من حقه أن ينظر إلي بهذه الطريقة!!
ليس من حقه أن يحكم علي بالحزن و الأسى؟أظن أنني سأبكيه ؟كي يتحقق رهانه السخيف!!
لا و ألف لا..
لن أبني حولي صومعة .. أبكيه فيها !!
لن أنكمش ..و أحزن !!
نعم يا سامية ..أكملي ..
ها ها ها ها ها ها هالا تحسبوا رقصى بينكم طربافالطير يرقص مذبوحا من الألم !!!!
ها ها ها ها ها ها هاو للحكاية بقية!!
*الشلات :مفردها: شَّلِّة : نوع من أنواع الأهازيج البدوية الإماراتية . FPRIVATE "TYPE=PICT;ALT="
لا أريد أن أركب معكم
!!
ما بالك يا شقراء ؟؟ تعالي معنا أرجوك دعي عنك الجبن!!
لست جبانة يا سامية ..لكني أكره هذا النوع من الرياضات ..و بدأت بالإرتجاف..
نعم ..أنا أكره السيارات ..خاصة التي تخوض الرمال و تهتز..!!
فبسببها توفي أخي ..بجانبي... و نحن في تلك السيارة ..لن أنسى ما حييت ..كيف هززته .. توسلت إليه أن الزجاج الذي انغرس فيجسدي لا يؤلمني ..و أن يدي التي لا أستطيع تحريكها ليست مكسورة .. و أن الدم الحار النازف من رأسي .. لا يفزعني ..كمصرخت أن يبقى معي ..كم توسلت ..لكنه .. رحل.. أخي الوحيد رحل في نزهة بريئة اقترحتها أنا على والدي .. و هذه الرحلة نكأتجروحي ..التي حاولت أن أتناسها إلا أنها أبت إلا أن تطفو على السطح .. و تغرقني في الكآبة!!
نظرت إلي سامية .. و إلى وجهي المحتقن .. تركتني و دخلت السيارة (اللاند كروزر) .. و لوحت لي مودعة .. لوحت لها بيدي ...و اتجهت نحو الخيمة ..
جلست القرفصاء ... كم هي التجهيزات رائعة ..... حافلة مكيفة.. جدول نشاطات مزدحم .. خيمة مع مستلزماتها .. طعام و شراب .. بيت الشعر رائع ..كل شيء غارق في البداوة ....رأيت ترموس صغير و فناجين ..و تمر..تذوقت التمر ..مثل الشهد .. و شربت القهوة الرائعة المطعمة بالهيل .. و استنشقت الهواء الجميل البارد.. رائحة الأرض المبللة ..آه .. و تنهدت .. أخرجت الكاميرا .. و بدأت أصور لأجل تقرير المدير ..
بدأت أصور .. تك من هنا ..تك من هناك .. ثم تك ..من هذا الذي صورته ؟أبعدت عيني عن الكاميرا ..فرأيته آت نحوي .. ماذا يفعل موسى هنا ؟؟ ألم يذهب مع الجميع ؟بدون إحساس ..بدون تفكير ..التفت عنه و بدأت بالهرب .. أركض و أقع ..ألملم أشلائي و أكمل .. و هو يلحقني و يمطرني بكلمات.. .انتظري أيتها المجنونة .. إلى أين تظنين نفسك ذاهبة؟ ...شقراء ..يا شقرااااااااااااء..؟؟طعم التراب في فمي لم يوقفني .. بل جعلني ..أركض و أركض..نظرت ورائي ..فإذا بيده تمسكني..و أنفاسه المتلاحقة تلهب وجهي ..
هزني بعنف ..ما بالك ؟؟ما مشكلتك؟لم تعد رجلي تحملني ..و رحت أهذي ..لا ..لم أقتله .. و بدأت دموعي تنهمر ..لست أنا السبب إنه القضاء و القدر ..شهقاتي تتلاحق..
ينظر إلي كأنه يراني لأول مرة .. لا ..لست أنت السبب .. أبدا ًيا عمري !!
أنت أكثر رقة من ذلك !!
أنت ما جعلتني أرى الدنيا حلوة!!
بضعفك .. بقوتك .. غيرتني !!
أمسكني من كتفي برقة قائلاً : ألا تريدين أن تسمعي حكاية؟؟هززت رأسي ..
هذه فتاتي .. كان يا مكان في هذا الزمان ..في بيت من البيوت ..توجد عائلة كلهامن البنات .. الأب يريد الزواج على الأم لأنها تنجب البنات فقط ..حتى ذلك اليوم ..
أنجبت الفتى .. أصبح البيت كله يرقص سعادة .. كبر الفتى و اكتشف أن أمه قاسية
..... بخيلة في كل شيء مقارنة ببقية أصدقائه ..لم يأبه ..فهي أمه التي يحب .. شبعن الطوق ..و اقتحم ميادين العمل .. و استلم أول راتب .. فوجئ بأمه تطالبهبالراتب ولا تعطيه إلا القليل ..القليل..
.. قال ..لا بأس هي أمي .. ولها حق ..علي.. لكن ......
الشهور تتالت ..و الرواتب طارت .. غضب الفتى و أراد ماله ..غضبت الأم ..لنتحصل على فلس يا ولد .. أمي.. السيارة .. البترول ..الملابس.. اسكت يا ولد تطلعالسماء ..تحفر الأرض ..لن تحصل على شيء..
غضب الفتى ..هرب من المنزل .. اختبئ في أحد المخازن.. يبكي أسىً على نفسه ..
يفكر في أمه و قسوتها .. و فجأة أتت كالنسيم البارد المعطر برائحة و لا أروع!!
الفانيليا..
قرر أن يداعبها .. يلاعبها ..علها تزيل أحزانه .. و إذا بها أقوى منه .. حاربت و قاتلت و لم تخف!!
هذه الفتاة الضعيفة المسكينة ..أقوى مني .. أقوى مني بكثييييييير !!
و نظر إلي بحنان ..
هزني ..أفيقي يا شقراء ..أفيقي .. أنت أقوى من ذلك ..!!
نظرت إليه .. كطفلة .. هل أنا فعلاً قوية ؟هيا ..هيا قفي .. دعينا نرجع للمخيم ..قبل أن يحل الظلام ..
و سبقني .. تبعته أمشي ببطء ..خلفه ..
إذن هذه حكايته ..
المسكين!! المسكين !!
كم من الصعب أن يجرح الإنسان من أغلى الناس لديه !!
إنه جرح نازف أبداً ..
و تساقطت دموعي .. كم كنت مخطئة بحقه!!
و للحكاية بقية..
هيا ..هيا ..أخبريني عن الرحلة
..
ما بالك يا سميرة قلت لك الرحلة جميلة و التنظيم كان رائعاً..
لا ..لا ..أخبريني عن كل شيء ..كل شيء..
أريد أن أخبرك ..صدقيني ...لكن أخاف أن يرانا السيد موسى و يعنفنا مثل المرة السابقة ..احترقت خجلاً..
آه ..معك حق .. خذي الملف حبيبتي .. ضعيه في الخزانة فأنا تعبة بعض الشيء..
سلامتك .. أأنت بخير؟؟أنا بخير .. أي ..
سميرة ما بك ؟لا شيء مجرد تقلصات بسيطة..آي ..آي ..
سميرة ..دعينا نذهب إلى المستشفى ..للاطمئنان عليك فقط .. وجهها محتقن ..تعض شفتها السفلى ألماً ..تغمض عينيها و يزداد عرقها .... تتألم ..ثم تهدأآه ..أظن أن كلامك صحيح ..لحظة ...سأتصل بزوجي..
بعد نصف ساعة جاء زوج سميرة راكضاً ..أحاطها بيده و مشى معها ..
الله يسهل عليها .. و الله يساعدها ..
المكتب فارغ بدونها ..بدون حركتها البطيئة ووجها الأمومي الطلق .. بدون تنفسها الثقيل و ضحكاتها الجميلة ..
ألو ..نعم سيدي .. حاضر ...
أشكرك يا شقراء على دراستك ..فهي وافية و كاملة ...
آه ..حقاً سيدي .. شكراً ..يسعدني أن عملي أعجبك!!
جداً ..فدراستك للرحلة أفضل من التي يقدمها قسم البحوث..أنا فخور بك ..
أشكرك يا سيدي ..
لقد فقت كل توقعاتي...يا شقراء ..
أسكت .. أنظر إلى الأرض ..فرحة ...مبتسمة ... أستأذن .. و أخرج..
بعد ساعتين ..ذهبت لمقهى الوزارة ..فقد كنت بحاجة إلى فنجان قهوة .. وبعض التغيير .. طلبت فنجان قهوة تركية .. و جلست ..أفكر ..
لقد جرد مشاعره أمامي..
لقد حكى مأساته ..بكل روعة ..لتهدئتي ..
يا ترى أين هو الآن ..
لم يبتعد عني ..
أيريد أن يلهب أشواقي ..
لم يأت اليوم ..
شغل بالي و أفكاري ..
أين هو الآن .. يا ترى ..
قلبت فنجان القهوة .. محاولة أن أقرأ أسراره ..
فنجاني .. يا فنجاني ..
بم تخبرني ..
قل لا تخف ..
(( هازا ..مدير ..يريد ..إنت ))
إنه الفرّاش .. فرّاش المدير الخاص .. الذي أتي مسرعاً ..هززت رأسي .. تركت الفنجان الذي لا أفطن إليه ..و ذهبت مسرعة إلى المكتب ...
تك ..تك ...تك ...
تفضلي يا شقراء ..
نعم سيدي ..أطلبتني ..؟نعم .. شقراء .. أنا سأذهب .. للتعزية .. و قد لا أرجع ..
طبعاً طبعاً سيدي ..أحسن الله عزاءكم ..
البقاء و الدوام لله .. المسكينة كانت طيبة ..
الله يصبركم يا سيدي ..
بل الله يصبر موسى ..فهي أمه..
ماذا ؟؟ أمه ؟؟و تهاويت على الكرسي مصدومة !!
كم أكره هذا المكان .. و كم أحبه
!!
فيه التقيت به ..
و فيه افترقت عنه ..
مكان جمع كل المشاعر دفعة واحدة ..
نعم ..أنا في المخزن .. أتلاعب بخيوط منسلة من قطعة قماش مهملة ..
أتابع النملة الصغيرة وهي تحمل طعامها .. و أفكر به ..
عله يأتي و يبوح ..
منذ ثلاث ليالٍ و أنا أنتظره ..
أنتظره في العمل ..
لا يأتي ..
أنتظره في المخزن ..أيضاً لا يأتي ..
شوقي بركان .. يتفجر ..يتدفق .. يؤلم روحي ..يوجع قلبي..يدمع عيني ..
آه أين أنت الآن يا موسى ؟؟و كيف حالك بعد وفاة والدتك ؟؟تساؤلات ..لا تجيبها أطيافك المبتسمة ..
تساؤلات ..لا تجيبها خفقات قلبي ..
تساؤلات لا تجيبها إلا أنت ..
آه منك!!
انطق ..تكلم ..تحدث .. أيها المحمول .. أأتصل به ..لا..لا.. أخجل أن أفعل ..هناك من يصرخ في داخلي
....لا تفعلي ..لا تفعلي ...
رميت المحمول وضعت رأسي على ركبتي .. و بدأت الدموع الساخنة ..تسيل ببطء .. لا أريد أن أبكي
.. علي أن أكون قوية من أجله هو..
مسحت دموعي و أنفي..
جرجرت رجلي ..ذهبت إلى غرفتي ..جلست على السرير ..بجانبي رواية لباولو كويلو* .. كتبت عبارة
(( كل قصص الحب متشابهة )) ...
هل فعلا ..كل قصص الحب متشابهة ..
هل الأحبة ..ولدوا ..عشقوا ..ماتوا ...
هل الحب ضعف؟؟سمعت من يقول..
إذا كان الحب ضعفاً فهو ضعف القلوب العظيمة...
ألم يقل عنه ابن حزم *:
(الحبّ, أوّله هزلٌ وآخره جَدٌّ, دقّت معانيه عن أن توصف لجلالتها فلا تُدركمعانيها إلا بالمعاناة. والحب ليس بمنكرٍ في الديانة ولا بمحظور في الشريعة إذالقلوب بيد الله عز وجل. الحب هو اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في الخليقة,
كما أن للتمازج والتباين بين المخلوقات سرّاً دليله الاتصال والانفصال).
آه كم أنا مشتاقة إليه ..
إلى وجوده مرة أخرى في حياتي ..
لكنه اختفى منذ ذلك الخبر ..كم أنا أنانية أفكر بالحب و الزهور بينما أمه ...
ما هذا ... رسالة خالية منه ... ماذا يقصد؟و تتالت الرسائل الخالية كما المطر .. ماذا تقصد يا موسى ؟؟ماذا تريد أن تقول ؟؟!!
تحدث ..قُل .. بُح .. لا تعذبني أكثر !!
:
:
:
:
يا لها من حرب ضروس تلك التي أخوضها ضد نفسي ..
تلك الغارقة في الحب .. أمنعها ..أشكمها .. لكنها كجواد جامح..
لا أحب لي من طلب رقمه أو إرسال رسالة له ..
لكني لا أستطيع ..
لا أستطيع ..
أنا مقيدة ب..... .. بنفسي ..
وهذه الرسائل الخالية لا تفعل شيء سوى أنها ..
تشعل جذوة عشقي ..
تلهب جمرة حبي ..
تحرقني ببطء ..
أكاد أن أتحول إلى رماد..
توت ..توت ..توت ..توت..
رسالة أخرى منه ..
أيضاً فارغة ..
لم يعذبني .. ما السبب ؟لم يزيد ناره ...حطب !!
لم هذه الشلة السخيفة على أذني ؟لم عيونه في كل الأرجاء ؟لم أتنفس موسى ..؟أفكر بموسى ؟أتألم بسبب موسى ؟ألف سؤال و سؤال .. والإجابة واحدة ....
:
:
:
:
:
:
.................. لقد تفتحت براعم قلبي ..................
و للحكاية بقية ..
قالها لي ذات يوم
..
كم آلمني عندما تركت كلية الفنون..
لا تنفك هذه الكلمات تدور و تدور في رأسي ..كالدوامة ..
نظرت إلى أناملي ..تلك الحزينة على فراق فنها ..تأملت يدي وولها الملتاع إلى الرسم ..
وولهي الحارق إليه ..إليه هو ..هو فقط..
اتجهت إلى العلية المهجورة ..فتحت الباب الخشبي القديم ..
كح كح ..الكثير من الغبار ..خيوط العنكبوت ... و رائحة عطن ..تفوح في أرجاء المكان الخالي ..
فتحت الإضاءة .. نظرت إلى ذاك الركن .. و تلك اللوحة .. اللوحة الممزقة .. تلك التي مزقتها بيدي
.. تلك اللوحة الغالية .. بحثي ..لوحتي ...صورت فيها نفسي كحورية بشعر أشقر .. .. لكن الحورية ..لم تعد كذلك ..
لقد تحولت بعد الحادث إلى نعامة خائفة تدس رأسها في الرمل .. تختبئ و تهرب كل حين .. و لا تجد الأمان ..
هاربة من مصيرها الذي حاوطها .. و احتل تفكيرها ..فحطمت أحلامها كي تنسى ..
تذكر كلام والدها : أتجدعين أنفك نكاية بوجهك ؟ فكري بما تفعلين يا شقراء .. فأنا أعلم أنك تعشقين الرسم ..
أمسكت بإطار اللوحة .. نفخت عليها .. فتطاير الغبار .. هاتشوو..
رأيت وجهي ..ينظر إلي مبتسماً ..نضراً .. خالياً من الهموم ..آه ليتني أعود لتلك الأيام ....
لمست الألوان ..فغردت أصابعي فرحاً .. مسحت الغبار عن إحدى اللوحات الخالية .. و بلا تفكير ..
غمرت أصابعي بألوان اشتقت إلى ملمسها و رائحتها .. لا أريد فرشاة ..بل أريد أن تبدأرحلتي..
لون أبيض.. أزرق.. رشقة هنا ..لطخة هناك .. و تبدأ اللوحة بالتشكل ..
عرفت خطوطها ..نعم إنها عينيه ..تلك التي تنظر إلي بشوق عارم .. ناعسة ..هادئة .. نعم إنه فمه ...
الذي يبوح بأجمل عبارات الوله .. نعم إنه وجهه.. جسده..كله..
كنت كالمحمومة ..لم أتوقف ..بدأت الألوان بالتداخل .. لتشكله كما رأيته أول مرة هنا في المخزن ..
لم أتوقف رغم قطرات عرقي التي أخذت أزيلها بساعدي.. لم أتوقف رغم شهقاتي المتتالية شوقاً إليه ..
لم أتوقف رغم الحشرات التي أتت تراقب زائرتها الغريبة .. لا شيء يبعدني عنه.. لا شيء أبداً ..
لم أعد أرى كم الوقت .. لا تهمني الساعات و الدقائق ..طالما أنا معه ...
كلما أراه هو ..وجوده ..رائحة السجائر المخلوطة بعطره الفرنسي ...كل ما أسمعه هي تلك الشلة ..
كل ما أحسه هو مزيج من الفرح لأنه معي..
و الحزن لأنه ليس معي ..
فجأة سمعت شهقة عالية النبرات ..
التفت فوجدت أختي تضع يدها على فمها مستغربة .. شقراء؟ أرجعت للرسم .. هذا رائع ..
ثم أخذت تقترب .. و تقترب ...من صومعتي الهشة ... وصلت إلي ..و نظرت إلى اللوحة مدهوشة ..
من هذا الرجل الذي ترسمينه يا شقراء...؟و للحكاية بقية ..
شهران..شهران ..لم أره فيهما
..
لم يكلمني .. لم يرسل لي رسالة ..
أريد منه رسالة و لو خالية .. لن أعترض..
أريد .. و أريد..آه ما أكثر ما أريده!!
كم اشتقت لهذا القاسي الذي لا يسأل عني ..
بم أعلل نفسي المجروحة ..
من يحب لا يعذب محبوبه..
لا يقرب الحلوى ثم يأخذها عنوة ..
لا يزرع الأمل و يحصد اليأس ..
من يحب لا يفعل ذلك ..
لكنه قال أنه يحبني..
لكنه قال أنني معذبته..
وهو من يسلط سكين الشوق معذباً .. كل خلية في جسدي..
حتى الآن رسمت ثلاثين لوحة ..كلها بعنوان واحد..
.... موسى ....
.... موسى ....
.... موسى ....
.... موسى ....
أين أنت؟لم اختفيت؟بحبي حظيت..
عني نأيت!!
كم أنيّت !!
فلا اقتربت ولا أتيت.!!
لو يأتي سأقدم له حبي مع سكر !!
آه لو يأتي ..
.................... .................... .................... ...
اتجهت إلى المتجر مع عفراء .. و أنا بمنتهى البؤس لأشتري بعض احتياجاتي ..لوني شاحب ..تحت عيني ظلال غامقة ..شاردة معظم الوقت .. بينما نحن في قسم الحلويات ..
مر موسى بجانبي ..و لم يلتفت ..
رجعت القهقرى .. إنه هو ..هو ..بدمه و لحمه .. بسجائره .. و عطره ..ناديته ..موسى ..أستاذ موسى !!
اهتز جسده تأثراً .. التفت إلي مبتسماً برقة .. نظرت إليه ..فوجدت نفسي ..متربعة في عينيه الهادئتين ..التي تخفيان الكثير .. لا زال يحبني .. لا زال يفكر بي .. نعم سأطير ..فقد نبت لي جناحان .. يوصلاني للفضاء ..
كيف حالك يا أستاذ موسى ؟ ما هذه الغيبة الطويلة ؟يتنهد : بخير ..بخير ..يا شقراء .. شقراء..؟نعم ..كأنه يحمل سراً عظيماً يريد أن يبوح به ولا يقدر ..كأنه يعلم مصيبة و لا يريد أن يشج رأسي بها ..
علي أن أكلمك يا شقراء..
بلهفة ..متى ؟؟ قل ..!!
سأتصل بك ..
.................... .................... .................... ...
من هذا الذي ترسمينه يا شقراء ؟؟ لوحاتك كلها لوجه واحد .._ يهزني بعنف_ ردي علي ..كلميني..
و أنا صامتة كقبر..لا أتكلم .. لا أتألم من يديه .. لا أنظر لوجه أبي .. لأنني لو نظرت سأعترف بكل شيء ..
زاجراً ..تباً لك من فتاة عنيدة .. ردي علي!!
سالت دموعي الساخنة ..فرماني ..تكورت على الأرض بشهقات متتالية..
آه من البنات.. و من أسرار البنات .. ألا يأخذ الله روحي كي أرتاح من الهم .. بم فصرت عليك كي لا تردي ..ردي..
رفع يده .. أوقفته أمي ..لا يا أبا أحمد ..لم ننجبهم كي نعذبهم .. أبعد عن رأسك الوساوس السوداء فقد ربيت رجالاً لا بناتاً ..
انكسر غضب أبي ..نظر إلي عاجزاً عن سبر أغواري .. و خرج ..
ضمتني أمي إلى صدرها الحنون الدافئ..اهدئي يا ابنتي ..اهدئي.. أنا واثقة بقبلك و اختياراته..
نظرت إلى أمي بدهشة .. لكأنني أراها لأول مرة !!
أنا آسفة يا شقراء ..أنا أخت سيئة
..
نظرت إلي برقبتها المائلة ..و عينيها البريئتين الباكيتين ...
أنا أخبرت أبي عن الرجل الذي كلمتيه في المتجر ..و قلت له ..قلت له..
أنه يشبه الرجل الذي ترسمين ..!! و سقطت باكية ..
أنا شريرة .. أوه شقراء .. لم أعرف أن كلامي لأبي سيفعل هذا كله !!
و ابتدأ بكاءها الصاخب .. اقتربت منها ..رفعت رأسها بيدي ..
صغيرتي ..مهما فعلت أنت أختي التي أحب !! أختي الوحيدة !!
كل شيء يعوض إلاك حبيبتي ..توقفي عن البكاء فسأبكي معك ..
ارتمت في حضني باكية .. و قالت شيء مثل ..
أنها لا تستحق أخت مثلي ..و أخذت تهزها شهقات بكاء ..
و أنا أطبطب عليها ..كم هي عزيزة بريئة .. أنا متأكدة ..
أنها لم تقصد .. و أنها مجرد ملاحظة عابرة لم تفكر بها ..
ضممتها إلى صدري مهدئة .. فأمطرتني بدموعها و دموعي!!
.................... .................... .................... ..........
هل أنت بخير يا شقراء ؟هذا مديري .. ينظر إلي متسائلاً ..
أنا بخير يا سيدي ..
طيب .. لكني أخاف عليك يا ابنتي فانتبهي لصحتك ..
حاضر يا سيدي و طمن بالك ..
حملت الملفات ..و أخذت أفرغ بعض المعلومات في الحاسوب..
و انهمكت تماماً في عملي ..لدرجة أنني لم ألحظ وجوده ...
لم ألاحظ أنه ينظر إلي كأنه يشبع عينيه مني..
لم ألاحظ أنه يتنهد بألم و قوة ..
لم ألاحظ تنفسه المتسارع ..
آه ليتني لاحظت ..ليتني فعلت !!
وضع يده بخفة على كتفي ..
التفت بلا شعور .. وضعت يدي فوق يده الدافئة ..
مبتهجة ..آه موسى؟ أهذا أنت ؟هز رأسه مبتسماً..
أمسكني من يدي ..تعالي أريد أن أكلمك ..
.................... .................... .................... ..........
صمت مطبق ..أنظر إليه عله يتحدث ..لكنه صامت كالليل ..
يداعب سيجارة في يده .. يشعلها ..ينفثها أعلى رأسه ....
يتنهد بقوة .. و ينظر إلي بعمق ..
أنا وهو و الصمت ثالثنا ..
احترمت صمته ..عرفت أن هناك شيئاً كبيراً ..سراً عظيماً يحمله في صدره ..
شقراء ..أتعلمين أنها لم ترحمني حية و لا ميتة !!
يا إلهي ..هاهو ..يتحدث عن أمه !!
لم تفكر بي و بأحاسيسي .. قتلتني وراءها ..و أمسك برأسه عاجزاً..
موسى ..فليرحمها الله ..اهدأ فالميت لا تجوز له إلا الرحمة ..
معك حق ..فأنا ابن عاق .. لم أسأل عنها إلا لماماً..كنت مشغولاً عنها ..
كم أنا ابن سيء ..سيء..و صمت غير قادر على النطق...
لم لا تتصدق عليها ..اكفل يتيماً باسمها ..فالميت ميت الجسد لا العمل ...
نظر إلي شاكراً ..
حدق و أطال التحديق ..بدأ قلبي ينبض ..تزداد نبضاته حرارة ..
أخفضت رأسي ..أنظر إلي أصابع يدي ..ارتبكت ..
وقفت فجأة .. و هممت بالخروج..
شقراء.. أرجوك سامحيني ..
خرجت و أنا أتساءل ..
أسامحه ؟؟على ماذا؟؟و للحكاية بقية..
..
شقراء حبيبتي
..
فتحت عيني نعسة ..وجدت أبي يهزني بلطف قائلاً :
استيقظي أيتها الأميرة النائمة .. عيد مولد سعيد ..
حككت عيوني مبتسمة : أم م م م ..شكراً أبي ..
ترك الكرسي و جلس على السرير ..نظرت إلى عينيه الحنونتين ..
نعم !! لقد سامحني .. أستطيع أن أرى ذلك ..
قال : أميرتي الصغيرة ..هذه هديتي ..
و ناولني ظرفاً .. فتحت الظرف ..
فوجدت حجزاً في إحدى الصالات الفنية الراقية..
ماذا يقصد الوالد؟ابتسم: أريد أن أرى معرضك..بأسرع وقت !!
ضحكت : آه أبي ..كم أحبك !!
احتضنته و بكيت .. على صدره الحنون تجتمع الذكريات .. مسح على شعري ..
فرجعت تلك الصغيرة التي تلاحق أباها أينما كان ..
تلك التي تقلد أباها في حركاته و سكناته و ضحكاته ..
تلك الصغيرة التي لا تنام ..إلا في حضن أبيها ..
أبي ...أحبك فوق الوصف ..
.................... ..............
ما شاء الله معرضك !! سكرتيرة رائعة و رسامة ..تبارك الرحمن !!
سيشرفني حضورك..
سجليني أول الحاضرين ..
هززت رأسي و استأذنت ..حملت بقية البطاقات منتشية فرحة !!
أخيراً تحقق حلمي ..أخيراً سأفتتح معرضي الخاص ..
أشعر بالخفة و الخوف..
الخفة من الفرح ...
الخوف من رأيه ..
هل سيرحب بنشر صورته بهذه الطريقة ؟لا أعرف رأيه !!
أووه ..شقراء .. أتعلقين قلوب الناس و ترحلين ؟سامية يا لها من مصادفة جميلة ..!!
يا قاسية لا تأتين و لا تسألين ..و تقولين ما أخبار الفتاة الرائعة التي هي أنا؟أوه ..سامحيني يا سامية .. فأنا كما ترين مشغولة للغاية ..المدير العام و مشاغله التي لا تنتهي ....أحياناً أفكر أنني سأغرق في الملفات..
لست أفضل من الجاحظ الذي وقعت عليه الكتب فقتلته !!
انتبهي على نفسك ..ليس لدينا إلا شقراء واحدة !!
غمزت لها .. خذي ..
ما هذا؟ معرضك .. أخيراً سأتعرف على شقراء الأخرى !!
أنا فرحة للغاية !!
يا لها من مناسبة ..يجب أن أدعوك إلى كأس من العصير ..أي عصير؟ ياالله غداء!!
لوحت لي قائلة ..أنتظرك في المطعم الساعة الثانية ..أراك!!
لوحت لها مبتسمة ..
توت..توت..توت..توتقرأت الرسالة ..
مثلاك بين الخود يعدم ..وصفك عديم في البنات M
كم هو رقيق رومانسي ..
كنت أبتسم من أعماقي ..أتمنى وجوده بقربي ..رفعت رأسي ..فوجدته يهمس لي : أحلى عيد لمعذبتي..
خجلت ..أحفضت رأسي ..قائلة ..تسلم ..
ركز على البطاقات المتناثرة على مكتبي..
شقراء !! أهذه حقيقة ؟؟أرجعت للرسم ؟هززت رأسي فالكلمات عالقة تأبى الخروج ..
مبرووووك – لم يقولها بهذه الطريقة؟-
مبرووك – كأني أسمع في صوته نبرة يأس و خيبة أمل-
موسى صحيح أنه معرضي لكن لوحاتي كلها لشخص واحد ..أنت ..
يا إلهي يا شقراء ..هذا شرف عظيم لي ..معذبتي !!
موسى ..كأنني أراك حزيناً..
لا لست كذلك..
موسى ؟ ماالأمر؟لاشيء!!
ألف معنى و معنى اختبأ خلف كلماته..
كأنه يقول..هناك شيء.. كبير ..كبير جداً !!
.................... ..............
مرحباً .. طخ طخ طوخ طيخابتسمت ابتسامة صفراء ..مرحباً ..-لم أتت هذه إلى هنا متأكدة أن المدير لم يطلبها-
كيف حالك؟استغربت من سؤالها ..لم تسألين عن حالي ..أهناك شيء بيننا؟أوه ستدفعين لي من أجل الخبر الذي أحمل !!
- حملت ببرص – احتفظي بخبرك لنفسك !!
طخ طخ طوخ طيخ هل أنت واثقة ؟كل الثقة !!
ضحكة استهزاء طخ طخ طوخ طيخ اذن اسمعي سنقيم حفلة وداعية لأحد الزملاء..
طيب كم تريدون من النقود لأجل الهدية الجماعية ؟ألا تريدين أن تعرفي من؟لا !!
طخ طخ طوخ طيخ أأنت متأكدة؟؟نظرت إليها باستعلاء ..مثلها لا يستحق أن أتحدث معه ..
اقتربت و رمت قذيفتها التي حطمت دفاعاتي..
موسى .
و لأول مرة لم أستطع الرد عليها ..
و للحكاية بقية !!
أمامي لوحة ..رسمت فيها آهاتي
..
صورة لامرأة _ أنا_ تنظر لانعكاسها المهشم ..المحطم .. في المرآة .. مثلي تماماً ..
لوحة أخرى ..امرأة ..تبكي دماً ..
لوحاتي مليئة بالأسى بعد أن كانت طيوراً محلقة في فضاءاتي ..
نظرة كئيبة سوداوية ..تلك التي سربلتني ..
أحس بالخيانة .. بالغدر ..
لم يهرب مني ؟ لم يحرق كل آثاره ..
لم يرحل بهذه الضجة العظمى ؟؟لم لا يقول بهدوء ..ابتعدي عني ..
و سأبتعد دون أن أشعر بهذه السكين التي تحز صدري و تقطع روحي ..
قهر أسود ..يدفعني للرسم .. و الرسم .. و الرسم ..
لكنكل ما أرسم..فتاة ..محطمة..ضائعة..خائف ة..
فليسامحك الله ياموسى !!
.................... .................... .................... ..............
خذي اشتري أنت الهدية !!
رددت النقود مرتجفة لسامية ..لا لا لا أنا لا أعرف ما أشتري له ..
شقراء ..أنت سكرتيرة المدير العام و لا أحد منك أعلم بالذوق لأنك تشترين الهدايا للمدير .. هيا أرجوك !!
هززت رأسي مستسلمة ..فكرت ..و لكن لم يسبق لي أن اشتريت هدية لمن كان حبيبي..
.
.
.
.
.
.
.
و لا زالالمبلغ كبير .. كبير جداً ..قررت أن أشتري له قلماً راقياً من علامة تجارية مشهورة ..
و مجموعة من العطور الفرنسية ..
لففتها في محل متخصص بألوان باردة ..أزرق غامق مع شريط فضي .. كأحاسيسي المخدرة ..
مع بطاقة كتب عليها باللغة الإنجليزية ..( أفضل رئيس في العالم )
كلمات بسيطة مع تواقيع كل من دفع ...
و جاءاليوم الموعود ..بالغت في زينتي مكابرة .. لأبين أنه غير مهم لي ..أستطيع أن أستمر بدونه ..
أي ترهات أرتدي ؟؟ أي حيرة ألبس ؟؟السلام عليكم ..كما تعلمون ..فهذا حفل فرحة وسرور ..لماذا؟ لأننا سوف نرتاح من موسى ..
لم يعد الأستاذ موسى .من هذا اليوم هو موسى فقط ..!!
ها ها ها ها ها هاهامن هذا الأحمق الذي يقول كلمة الافتتاح ؟؟ شقراء ؟ شقراء!! أأنت معي ؟؟أم م م م؟ آه .. نعم ..نعم ..
ماذا نعم ..نعم ..عم كنت أتحدث؟أووه يا سامية !! لا أعلم !!
فلنصفق له ..هيا ..هيا ..
تصفيق حاد ..
يعدل شماغه الأبيض و يمشي ببطء ..مؤلم .. إلى المنصة ..
تنحنح .. و بدأت المسرحية ..
أعلم أني فاجأت الكثيرين برحيلي ..( ينظر إلي بعمق )
لهم أقول .. ( يحبس أنفاسي )
أنا آسف !! ( تتفجر آهاتي )
سامحوني ( تطفو على وجهي )
أؤكد لكم .......
تغوغرت عيوني بدموع لاذعة ..لم أتحمل ..
ادعيت أن شعرة دخلت فيها ..هرولت إلى دورة المياه ..
و هناك جلست على المرحاض و انفجرت ..
دموع ساخنة تأبى التوقف ..
أنف يأبى إلا البكاء ..
شفة ترتجف ألماً ..
وجه محتقن ..حار ..
شهقات ..و شهقات ..
صدر يعلو و يهبط ..
أحضن نفسي بذراعي المرتجفتين ..متربعة على المرحاض المغلق ..أبكي ..
وعدت نفسي أن أكون قوية .. لا أريده أن يرى ضعفي ..أقسمت على ذلك ..أقسمت ألا يحقق ما يريد ..
لكني الأن أضعف من عصفور بلله المطر!!
بعد لحظات ..
سحبت بعض المناديل الورقية ..نفخت بها أنفي.مسحت دموعي و خرجت ..
نظرت إلى المرآة المواجهة ..رأيت وجهاً ملطخاً بالمساحيق و الألم ..أحسست بالشفقة على نفسي ..
أبدو كالمهرج تماماً ..
وضعت بيدي بعض الصابون السائل ..فركت به وجهي بحدة .. غسلت وجهي..
فأصبح نظيفاً ..شاحب ..لكن نظيف !!
من يغسل روحي من حبه ؟؟من ينظف قلبي من هواه ؟؟انتظرت للحظات ..استجداءً للهدوء ..
اختفى أنفي الأحمر ببطء ...
ذبلت عيوني المنتفخة ..
و خرجت ..لا أريد الذهاب إلى قاعة الاحتفالات أريد أن أهدأ كلياً ..
قررت أن أذهب إلى مكتبي ..هناك عدة تبرجي ..سأضع بعض الكحل .. و بعض بودرة الخدود و سأكون بخير ..
دخلت الغرفة ..جلست على الكرسي متأوهة ..أبحث عن العدة ..أسفل المكتب ..
كم المكان هادئ ..ساكن ..لاصوت و لا حركة!!
.
.
.
.
.
.
.
.
تك ..ت ت ك
.
.
ما هذا ؟صوت إقفال باب !!
من هذا الذي يحاول أن يقفل الباب علي ..
اعتدلت في جلستي فوجدته مستنداًعلى الباب قائلاً بهدوء :
مم تهربين ؟؟و للحكاية بقية !!
انتفضت
..
نظرت إليه مصدومة .. اكتسح الغضب الحزن في صدري
..و انفجرت فيه:
أنا أهرب ؟؟!!أنا لا أهرب يا أستاذ موسى ..تركت الهروب لك و لأمثالك !!
جحظت عيناه .. كأنه لم يتوقع أن أقول ذلك أو أفكر به..
قال بكلمات متقطعة :
أنا ..... لم......أهرب ....... بإرادتيلا تحاول أن تزين لنفسك خطأك يا أستاذ موسى
..اذهب .. اهرب .. فهذه من سماتك ..
بحنان : شقراء.. أنت لا تفهمين ..
هل حقاً أنا التي لا أفهم !!
هل حقاً أنا القاسية التي أجرح و أدمي و أعتذر ببرود..
انظر إلى نفسك و أفعالك ثم قل ما تريد ..
يااا – باستهزاء- يا أستاذ موسى ..
تباً لك يا شقراء!!
أنت لا تعلمين !!
لا تعرفين !!
ولا أريد أن أعرف أبداً ..
أتذكر معرضي لا تأتي إليه أنت مطرود منه ومن حياتيبضعف: لم ..ألم ..ترسلي لي دعوة ؟؟ليس بعد اليوم فقد سحقت قلبي بحذائك ..
أتعلم ؟؟ سأغير اسمه من الوله إلى الضياع ..و فهمك يكفي ..
سكت ..نظر بإشفاق حنون إلى انتفاضاتي ..
علم أن جرحي عميق ..دفين ..
اقترب هامساً : شقراء ..
صرخت : ابتعد ..و لا تقرب .. يا إلهي كم أكرهك ..
دموع محبوسة في عينيه ..لعل هذا أفضل .. اكرهيني يا شقراء
..احتقريني ..و اصفعيني بكلامك ..
لكن هذا لن يغير ما بقلبي ..أبداً !!
و لا يغير .......
سكت..نظر إلى الأرض يفكر بعمق !!
نظر إلي مكسوراً ..مهزوماً ..
أنا لا أستحق حبك يا شقراء ..
أنا وضيع وأنت راقية ..جداً ..
نظر إلي بعمق ..ازداد تنفسه بغتة ..و خرج...
ارتجفت ساقاي ..يا إلهي !! ما هذه الأسرار يحيط بها نفسه!!
كيف لا أستحقه و هو من طرق بابي و أجبته ؟؟القلب الذي يحب لا يكره ..
لأنه ببساطة لا يستطيع ذلك ..
____________________ ___________
نعم ..قليلاً إلى اليسار ..نعم هكذا ..شكراً أشرف !!
عقدت أصابعي فرحاً ..
نظرت مبتهجة إلى الشكل النهائي للمعرض ..
قسمته إلى ثلاثة أقسام ..القسم الأول و الثاني للوحاتي الباكية الحزينة..
و القسم الثالث لوحاته أطلقت عليها : مجموعة خاصة ..
رتبت كتيبات المعرض و الأقلام ..
وبعض الهدايا التذكارية للمشترين ..
الورد الطبيعي موزع بأناقة وعبيره المسكر يتجول في الأنحاء..
الشاي و القهوة و التمر و البخور ...كل شيء جاهز !!
الافتتاح بعد ساعتين ..
دمي يغلي إثارة ..
لكن قلبي ينزف ألماً ..
رفقاً بي يا ربي ..
آنسة ..أأضع الموسيقى ؟هااه نعم يا أشرف ..لو سمحت !!
حرك رأسه وذهب ..
تصدح الموسيقى العالمية الناعمة .. بحيرة البجع..
أتخيل القصة الأسطورية ..
أتذكرها جيداً ..تلك البجعة الجميلة المسحورة التي تتحول إلى أميرة..
في الليل البهيم ..و تعود بجعة في النهار ..
تلك التي أنقذها أميرها من الساحرة الشريرة و أعادها إلى أميرة ..
أنا البجعة ..و موسى أميري ..
أميري ..حولني من بجعة ..إلى أميرة قلبه..
ثم تركني .. بجعة .. ممسوخة ..وحيدة ..متألمة ..
تقلب أحزانها ..ليل نهار ..
تطير بغربة من بحيرة إلى أخرى..
ترقص ألماً ...
تغني حزناً ..
نظرت فرأيت أختي آتية بابتسامة عذبة ..
قبلتني ..مبرووك يا شقراء ..
تسلمين حبيبتي !!
معكم المذيعة اللامعة((أنا)) و الآنأقدم لكم الفنانة الرسامة الحلوة ..شقراء ..
يا لها من لطيفة ..تمثل دور المذيعة و أسايرها في لعبتها الصغيرة..
جاء صحفي الجريدة و نحن غارقتان في الضحك ..
أجرى حواراً معي و التقط بعض الصور للوحاتي ..
ثم بدأ الناس بالتوافد ..اجتمع الحشد خلف الشريط
.. أعطيت أبي المقص ليقص هو الشريط اعترافاً بفضله ..
قص الشريط مبتسماً ..
بدأت أشرح اللوحات للحشد المهتم بها ..
و عندما وصلت إلى لوحاته ..
ابتسمت قائلة ..لا تعليق !!
آنسة ..آنسةماذا يريد أشرف وسط هذه المعمعة ؟؟هناك من أعطاني هذه الورقة و طلب مني أن أسلمك إياهامن؟لا أعرف آنسة!!
نظرت إلى الظرف البنيكتب بخط مهزوز..
.
.
.
.
.
.
.
.
إلى معذبتي ..
فعرفت أنها منه..
و للحكاية بقية
إلى أرقى مخلوقة خلقها الله فأبدع خلقه
..
أحس بأنك تعلمين أني أخفي عليك شيئاً ..
أقر ..أعترف ..أني أخفيت عنك الكثير .. و أعترف<