وأضيف :
مرحلة الإنكار القلبي ليست مرحلة مستقلة كاللاتي قبلها . بل هي مرحلة موافقة متصلة غير منفكة عن المسلم .
وأعني أن المُنْكِرَ باليد أو باللسان لا تنفك عنه وسيلة الإنكار القلبي لأنها هي أصل عبادة الإنكار والتي بقدرها وقدر ما يقوم بقلب صاحبها يكون الثواب ، ولكن الاقتصار عليها في حالة العجز عن دعمها باللسان واليد هو ما يجعلها أضعف الثلاثة .
ولذلك فإن هذه المسألة لا تعلق لها البتة بقضية حضور المنكر . فالكلام عن نفس ما يقوم بالشخص من العبادات الخاصة بالإنكار ..
أما حضور المنكر فإنه منكر مستقل ..
ولا يخلو من أن يكون الحاضر عالماً بالمنكر مسبقاً فهذا منهم وإن كره بالقلب إلا أن تكون هناك ملابسات أخرى كأن يكون حضر لتقديم مصلحة أو ذرء مفسدة أو بنية الإنكار والنصح إلى غير ذلك من المبررات الشرعية ...
وليس من العقل أن يحضر المنكر من هو كارهه ، بل الحضور بغير سبب لا يكون إلا عن رضا إلا أن تكون هناك ثمة عوامل خارجة كما أسلفنا ..
وهذا اقتباس من فتوة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى من مجموع فتاواه يقول :
وصفة إنكار المنكر بالقلب كراهة ومفارقة مجالس المنكرات، وعدم الجلوس فيها، وإلا فإنهم إذا مثلهم، والله تعالى يقول : ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)).أ.ه المراد منه .
وفي موضع آخر من نفس الكتاب يقول رحمه الله تعالى :
والإنكار بالقلب فرض على كل واحد لأنه مستطاع للجميع وهو بغض المنكر وكراهيته ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان لقول الله سبحانه : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
وقال تعالى في سورة النساء : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا .
وقال تعالى : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا .ومعنى لا يشهدون الزور : لا يحضرونه . انتهى
وفي فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء جاء ما يلي :
س4: ما هو تفسير الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو: « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » فما هو التغيير بالقلب وهل يثاب عليه المغير له؟
ج4: جاء في هذا الحديث مراتب تغيير المنكر، وأنها ثلاث درجات: التغيير باليد للقادر عليه، كالحكام، والرجل مع ولده، وزوجته، فإن لم يتمكن المكلف من التغيير باليد فبلسانه، كالعلماء ومن في حكمهم، وإذا لم يتمكن من التغيير باللسان فينتقل إلى التغيير بالقلب، والتغيير بالقلب يكون بكراهة فعل المنكر وكراهة المنكر نفسه، والتغيير بالقلب من عمل القلب، وعمل القلب إذا كان خالصاً صواباً يثاب عليه الشخص ، ومن تمام الإنكار بالقلب مغادرة المكان الذي فيه المنكر.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
ووقع عليها كل من :
عبد الله بن قعود
عبد الله بن غديان
عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
-----
وبالله التوفيق .